الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩٦٩الإباضية في موكب التاريخ
205
الإباضية في الجزائر
موت علمائهم بسبب الفتن المتوالية وفشو الجهل بناشئتهم، وعدم معرفتهم لأصول مذهبهم؛ فاعتنقوا المذاهب الأخرى.
هذه خلاصة الأسباب التي أرجع إليها شيخنا أبو اليقظان أسباب انحسار الإباضية عن أغلب القطر الجزائري، وانحصارهم في وادي ميزاب" و"وار خلان" الآن. أما أستاذنا الشيخ باكلي عبد الرحمن فقد أجاب إجابة فيها بسط وإسهاب، ولعل من المفيد للقارئ الكريم أن أنقل إليه نص جواب الشيخ قال حفظه الله:
"إذا بحثنا عن الأسباب التي أثرت عَلَى الإباضيَّة فصيرت كثرتهم قلة، وجعلتهم ينحصرون في نقطتين اثنتين "ميزاب" و"وَار جلان" بعد أن كانوا في أكثر من عشرة مواطن، لا يقل الواحد منها عن الباقين قوة وكثرة وجدنا لذلك أسبابا كثيرة منها:
-
الظاهرة العامة المتأصلة في نفوس البربر الذين هم أغلبية سكان الجزائر في مختلف أدوارها، ومعلوم أن البربر متمسكون أشد التمسك بمبادئهم، إذ المبادئ تتصل بالعقيدة، فهم يحاربون من أجلها ويموتون في سبيلها (1).
- حياة الفوضى التي عمت القارة وطبعتها بطابعها، وضعف السلطة المركزية أن تسيطر على الحالة؛ فتوقف كُلَّ عند حده، وتحمل الرعايا ولو بالقهر على التزام النظام، واحترام
الحريات والحرمات.
جور الحكام وانتهاجهم سياسة التفقير والاثخان في البربر، عملا بوصية أسلافهم وعلى رأسهم الأصحاب الذين ينتمي معظمهم إلى قبيلة زنانة العظيمة المعادية للصنهاجيين وخلفائهم، ومن نهج منهجهم السياسي، يَدُلُّكَ عَلَى ذلك ما حكاه الشيخ الشماخي عن بعض حفدة الشيخ أبي باديس أبخت بن باديس اليكشني [قمهـ] أحد شيوخ الإباضية الأغنياء الذي كان يسكن في بونة، فقد ربَّى فرسين بأمر جده، فأحسن تربيتها وتأديبها ثُمَّ أهداهما إلى المعز بن باديس الصنهاجي مداراة فقبلها منه و فرح به وبهما وأكرمه. فكره وزراؤه ذلك فطعنوا فيه وأفسدوا قلب المعز عليه، قالوا: "اقتله فإنَّه من الإباضية، وقد أمكنك ورأيت عظم ما أتاك به، وكيف ما خلف وراءه لئلا يخالف عليك".
(1) نقلت هذه الفقرة بتصرف.