الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩٧١الإباضية في موكب التاريخ
207
الإباضية في الجزائر
وقوفهم عند حدود الشرع في معاملة خصومهم وإن جاروا عليهم، عملا بقول عمر بن الخطاب: «مَا عَاقَبتَ مَن عَصَى الله فيك بمثل أن تُطيع الله فيه».
تحكم الترعات المذهبية التي احتضنتها بعض تلك الدول وشجعتها؛ لأنها لا تكون في
نظرها خطرًا عَلَى نفوذها، ورأته الخشخاش الذي يكرهه المذهب ويظل في أنفه ما عاش. عدم استنادهم إلى دولة عتيدة تحمي ظهرهم وتشد أزرهم وتجمع كلمتهم، بل ظلـ أوزاعا مبددين هنا وهناك. - ابتلاؤهم ببعض الخوف وهجمات ذوي المطامع من الملوك والأمراء الذين ينزعون إلى الاستبداد والسيطرة، كالميورقي الذي اصطلم) وَارجُلان" (يعني: ناحيتها، وعلى الأخص
(1)
سدارته) سنة 626 هـ، وهدم سورها، وتركها قاعًا صفصفًا كأن لَمْ تغن بالأمس. - ما ينزل بهم من التخريب والترويع والتشريد أثناء انتقال السلطة من دولة إلى دولة، دون غدون تسليم المهاجم ملكه، واستيلاء المهاجم عليه دماء تسيل وأرواح تزهق، وعمران يخرب ويقوض وأموال تفنى وتبدد وحرمات تنتهك إلى غير ذلك. - مطاردة الجورة إياهم وتغريمهم بغرامات لا قبل لهم بأدائها تعجيزا لهم، وتذرعا إلى
قتلهم. انظر حكاية أبي الخير الزواغي مع أحد أعوان ابن باديس (السير ص 336). وإذا أضفت إلى كُلّ ذلك نزوعهم إلى حياة الروح والعكوف في الخلوات، وعزوفهم عن الجانب
المادي الذي يُخولهم قوة يستطيعون بها رد عاديات الأيام، لم تستغرب من النتيجة الحتمية. وهكذا تضافرت هذه الأسباب عليهم واستمرت تُضعفهم شيئًا فشيئًا حتى تركتهم بالقلة
التي نشاهدها عليها اليوم، وجعلتهم ينحصرون في "ميزاب" و"وار جلان". ولكن ما السر في انحصارهم في تلك المنطقة دون سواها وبقائهم فيها إلى اليوم؟؟ السر أن منطقة "ميزاب" و "وَار جلان" منطقة بعيدة عن أوساط الاحتكاك، وَلَمْ تكن. المناطق الخصبة التي يكثر فيها النزاع، بل هي في صحراء قاحلة تأخذ ولا تعطي، فكانت قحولتها كشوك القنفذ تقصي الأيدي منه، انحازوا إليها مُحافظة على عقيدتهم وأخلاقهم،
1) اصطلم القومُ: إذا أبيدوا من أصلهم. انظر: العين، (صلم). (المراجع)