الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩٧٢الإباضية في موكب التاريخ
208
الإباضية في الجزائر
وضنا بوحدتهم أن تذوب وسط خضم المجتمع الكبير الذي تسوده الفوضى وتطاحن القوى، وعدم التقيد بمبادئ الدين في تصرفاته.
وقد استعانوا على بقائهم بخصائص جمعها الله في هذه الكتلة الصغيرة الكريمة. جمعت إلى المتانة في العقيدة الاستقامة في السمت وإلى الصبر على شظف العيش العمل المستمر، وإلى الاقتصاد في النفقة تعاون الرجل والمرأة .. الرجل يغترب وراء الكسب، أو يعتكف على استثمار أرضه والمرأة تشتغل سحابة يومها وهزيعا من الليل في الغزل والنسيج، وإلى الغيرة الوطنية إسعاد ذوي اليسار للمحاويج العاطلين وإلى العمل التطوعي المتبادل بين العموم "التَّويزة" القيام بأنظمة البلد تطوعًا واحتسابًا، كنظام العزابة ونظام العشائر وضمانها، ونظام الحراسة .. هذه الخصائص هي التي حفظت لهذه المجموعة بقاءها، ولن تزال إن شاء الله ما دامت تتمتع بها. هذا بعض ما قاله أستاذنا الشيخ باكلي عبد الرحمن. أحسب أَنَّهُ لَمْ يبق لي في هذا الفصل عمل بعدما نقلته إلى القارئ الكريم عن الشيخين الفاضلين، فإن الصورة التي رسماها للحالة التي أردنا تصويرها كانت صورة دقيقة كاملة، وما أحسب الدارس واجدا فوق ذلك أو بعد ذلك ما يزيده لها، ولقد يكون من الأسباب التي ذكرها شيخنا باكلي بعض الإطناب، ولكنَّه إطناب يقتضيه استيفاء جوانب الصورة كاملة، ويتطلبه جهل الناشئة بأحداث التاريخ، وبالأمراض المزمنة التي أصابت الأمة المسلمة في عصور طويلة، فلم تزل تنخر في عظامها حتَّى أسلمتها للمرض الذي هيأها؛ لأن تقع فريسة في يد المستعمر الذي يتظاهر بأنه يسعى وراء السلطة والحكم ووراء المكاسب الاقتصادية والمادية؛ ولكنَّه في الحقيقة ما كان يعمل إلا للقضاء على عقيدة الإسلام العقيدة التي اندفعت بالبشرية في المنهاج الذي رسمه لها الخالق الحكيم، فلم ترض بذلك الوثنية والزندقة والإلحاد، وآزرت هذه القوى المتضامنة قوى أخرى من المسيحية المحرفة، والصهيونية المتقمصة ثياب اليهودية المعذبة، وتآزرت هذه القوى جميعًا عَلَى الإسلام بادئ الأمر في الميدان العسكري والسياسي، ثُمَّ في المجال الخلقي والديني، وقد نجحت في خطتها الأخيرة نجاحًا سريعًا لَمْ يتوقعه خبراء الفتنة والتضليل فيها.