الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٧٣

الإباضية في موكب التاريخ

209

الإباضية في الجزائر

حين كانت تلك القوى المتآزرة المتآمرة عَلَى الإسلام والمسلمين تلم شتائها لتحاربه في كُلّ شبر من أراضيه، وفي كُلّ منحى من حياته، وفي كُلّ خلق كريم من أخلاقه، وفي كُلّ مبدأ سام من مبادئه كان المسلمون سادرين في غفلة عما يراد بهم ويساقون إليه. يتناقش العلماء منهم والمثقفون في مدلول الألفاظ والعبارات، ويتصارع الأغنياء منهم وذوو اليسار على الترف والبذخ والإسراف في النفقات، ويتقابل أصحاب السلطة على مناصب الحكم وكراسي الإمارات، ويدأب الصعاليك والمغامرون عَلَى إشعال الفتن، وشن الغارات، وتتهارش العامة الجاهلة حائرة بين هذه الفرق، ومندفعة بحماس تارة طلبًا للدنيا، وتارة طلبًا للدين، ولكنها في كُلّ ذلك تسير وراء قيادة غير نزيهة في أغلب الأحوال .. وبذلك عاش المسلمون هذه الفترة من تاريخهم في حروب وفتن مظلمة يضرب بعضهم البعض معرضين عما يُجهزه لهم الأعداء،

ولا شك أن هذه العوامل وما جرت إليه إنَّمَا نشأت عن انحراف المسلمين عن منهاج الإسلام. فقد انحرف أصحاب السلطان فحكموا بالظلم وتصرفوا في المال بغير عدل، وأخذوا الرشوة بغير موجب، وعاملوا الناس بغير حق، وانحرف العلماء عن منهاج الإسلام، فتملقوا للحكام واسترضوا أصحاب السلطان وسكتوا عن مناكرهم، بل وبرروا لهم انحرافاتهم، وانحرف الأغنياء عن منهاج الإسلام؛ فأصبح التنافس على كسب المال هو غايتهم، وتساهلوا في معرفة الحلال والحرام فلم يعنهم كيف يصل المال إلى أيديهم، ثُمَّ استأثروا بحق الفقير، وتهاونوا بمصلحة الأُمة ودخلوا في منطقة الربا والترف .. وانحرف العامة عن منهاج الإسلام، فرغبوا أن يشاركوا أصحاب الأموال في أموالهم وأصحاب السلطان في سلطانهم بطرق غير شريفة ولا نظيفة، فصاروا آلات في أيديهم، يكسب بها الغني، ويضرب بها الحاكم، ويستغفلها العالم. وانحرفت الأمة بأجمعها عن منهاج الإسلام، فاتكلت على غير الله، واعتزت بسواه، وتوددت إلى أعداء الله، وربطت أواصر الصداقة والمحبَّة مع من نَهى الله عن مودتهم، وقسمت المشركين والكفار إلى قسمين تقبل على بعضهم وتعرض عن البعض فيما تحسب، وَإِنَّما هم يتلاعبون بها كما يلعب الأطفال بالكرة، فتارة تحت قدم هذا وتارة تحت قدم ذاك. هذه الأمور بعض أسباب المحنة ودواعي الفتنة، نسأل الله تبارك وتعالى- أن يزيل الغشاوة عن عيون المسلمين، فَإِنَّهُ لا حول ولا قوة إلا بالله