الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩٧٤الإباضية في موكب التاريخ
21
الإباضية في الجزائر
صورة مصغرة لحياة الإباضية في الجزائر
بعثت سؤالا عن هذه الصورة إلى الأستاذ شيخنا باكلي عبد الرحمن فأجابني -حفظه الله - في رسالة مطولة تحتوي على اثنتي عشرة صفحة رأيت أن أقتطف منها ما تقرؤه فيما يلي: كان المجتمع الإباضي الجزائري في عهد الشيخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن بكر (أي: في أواتل القرن الخامس للهجرة) مُجتمعًا إسلاميًا في عقيدته وأخلاقه وسمته غنيًّا برجاله الصناديد، وبعلمائه الفطاحل، وبجيوش طلبته الميامين بل العامة الذين يخضعون لرؤسائهم ومشايخهم، ويستميتون في حمايتهم إلى آخر قطرة من دمائهم، وكانت النواحي الآهلة كـ"الزاب" و"وادي أريخ" و"وار جلان" و"سوف" وجبال بني مصعب "ميزاب" تعج بهم عجا، وكانوا إلى ذلك على اتصال وثيق بإخوانهم إباضية جبل "دمر" و "قصطالية" و"جربة" و"طرابلس" و"نفوسة"، وكانت لهم خطة متحدة الأهداف لاسيما في كفاح الجورة الحاكمين بأمرهم قمعا للظلم، وتنغيصا للساقطين، وصدهم عن القضاء عليهم، واصطلامهم كما هي سياسة الحكام الشيعيين، وخلفائهم الصنهاجيين (انظر وصية الفاطمي) (1).
يهم
كانوا يعيشون عيشة الروح لا عيشة الجسم حياة التقشف لا يحفلون بالقشور، ولا يميلون إلى الترف والنعيم، وأَنَّى لَهم .. وقد صرفوا كامل عنايتهم إلى الاضطلاع بدين الْحَقِّ، إلى تصحيح العقيدة، إلى نشر تعاليم الإسلام بين الجماهير الساذجة وحملهم عليها قولا وعملا، فانساقوا في هذا السبيل سبيل الآخرة إيثارا للآجلة عَلَى العاجلة، وساعدهم على تحررهم من مهام الملك التي تستنزف جهودهم وأوقاتهم، وتحملهم على اعتناق الحياة المادية طوعًا أو كرها.
أجل إنَّهم وإن لم يعرضوا عن الحياة المادية تماماً إلا أَنهم يحيون حياة هزيلة لا تعدو – على عمومها- تربية المواشي وفلاحة الحبوب، وغرس النخيل والأشجار سيما الزياتين .. إلى
(1) لَمَّا ارتحل المعز الفاطمي إلى القاهرة أوصى خليفته على المغرب يوسف بن زيري قائلا: «إن نسيت شيئا مما أوصيتك به فلا تنس ثلاثة أشياء: لا ترفع الجباية عن أهل البادية، ولا ترفع السيف عن البربر، ولا تولّ أحدا من أخوتك وبنيك، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك، واستوصي بالحضر».