الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩٧٥الإباضية في موكب التاريخ
211
الإباضية في الجزائر شيء من تجارة عمادها المقايضة، وإذا قدر لبعض الأشياخ مثلا أن يكون ذا ثروة فَإِنَّهُ يقنيها في كفالة الطلبة الذين ينقطعون الخدمة العلم، وإقامة شعائر الدين والوعظ والإرشاد احتسابا وامتثالا لما يأمر به الدين ويدعو إليه القرآن الكريم، الأمر الذي حفظ للدين تعاليمه وللعلم حقائقه، ولحسن السلوك منهاجه وإصلاحًا لذات البين، وتصحيحا للأخطاء، وقياما بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على صعوبة المواصلات وقلة الوسائل، وخوف السابلة
وبعد المسافات.
ولذلك حافظوا على المذهب الإباضي بين تلك الزعازع والأعاصير العاصفة في مختلف نواحيه واستطاعوا أن ينازلوا خصومهم الذين يحاولون جهدهم تحويلهم عن عقيدتهم، وزعزعتهم عن مراكزهم، وحملهم طوعًا أو كرها عَلَى الذوبان في بوتقتهم. والْحَقُّ أَنَّهُم أوتوا صبرًا عجيبًا، وقدرة فائقة عَلَى تحمل شظف العيش، ومجابهة خشونة الحياة، وترك حظوظ النفس إرضاء لربهم، واستعدادًا لتحمل الأمانة التي عرضها الله عَلَى السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، يقصرون أوَّل حياتهم على التعلم حَتَّى إذا نبغوا تصدوا للتعليم، وعقد الرحلات للدعوة إلى الله، وتفقد أحوال المسلمين، ورأب، صدعهم، وجمع كلمتهم، وتصنيف الكتب في مختلف العلوم لاسيما فقه الشريعة، وتوجيه قافلة الخلق في طريق الخالق، والانقطاع إلى العكوف على عبادة الله، ويبذلون في سبيل ذلك كُلّ عزيز ونفيس .. فترى الأشياخ المياسير يقومون بتموين طلبتهم و تفنى ثروتهم، فقد قص علينا الشيخ الشماخي أن نيفا وثلاثين شيخا منهم أبو عبيدة وشق من شيوخ أهل الدعوة تعاهدوا أن يتكفلوا بنوائب الحلقة وحوائج الطلبة، فمن مات منهم قام الباقي مكانَهم حَتَّى لَم يبق إلا الشيخ أبو عبيدة وشق فاستمر في عهده حتَّى تُوفي. وكما قصَّ علينا سيرة أبي عبد الله مُحَمَّد بن سليمان النفوسي، وكان ممَّن وسع الله عليه، وكانت عنده كثرة التلاميذ يعلمهم ويطعمهم ويكسوهم من خالص ماله؛ إذا أقبل الشتاء اشترى لهم أكسية جديدة فيها الدفء، وإذا أقبل الصيف اشترى لهم ما يخف وادخر الأخرى، وَرُبَّما باعها بالثمن الذي اشتراها به.
كفالتهم