الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٧٦

الإباضية في موكب التاريخ

212

الإباضية في الجزائر

أجل هناك بعض النواحي تمتاز عن سائرها بتعاطي التجارة، وعقد الرحلات إلى البلاد النائية طلبا للرزق، كتجار وارجلان" الذين يسافرون إلى السودان وبلاد غانة .. قال الشريف الإدريسي عن مدينة "وَارجُلان: «ورقلة هي مدينة فيها قبائل مياسير وتجار أغنياء يجولون في بلاد السودان إلى بلاد غانة ونقارة - وهكارة فيخرجون منها التبر ويضربونه في بلاده عملة مسكوكة - باسم بلادهم، وهم وهبية إباضية». والذي جعل جمهور الأصحاب يفضلون خشونة العيش والكفاف أنهم لا يستطيعون التفرغ للاكتساب مقلقين في أوطانهم، خائفين في أسفارهم مخاطرين عرضة للنهب والسلب والقتل من جيرانهم، بله إمعان الجورة في تجريدهم مما بين أيديهم، وتشريدهم في البلاد والنكاية بهم. فأنت ترى أن هذه الأجواء التي يتنفسون فيها شبه الغاز المخنق، لا يساعدهم على تكوين الثروات ولا على استبقائها، وهل تبقى - لا أبا لك ثروة وسط هذه الزعازع والأعاصير سواء كانت مادية أو أدبية.

أجل، لولا تلك الفتن الداخلية والخارجية المتوالية والحروب المتتالية، وعوامل المحو والإبادة التي تسلطت عليهم خلال القرون فأفقدتهم من الأموال، وأخنت عليهم كما أخنت على لبد، وأنت على ما هنالك من تراث علمي؛ لأبقت تلك القرائح الوقادة، والعقول الراجحة لنا وللمكتبة الجزائرية من الكنوز والزخائر ما يرفع رأسها عاليا بين أمم التاريخ.

ثُمَّ لولا ما أنشأوا من مدن وبنوا من ديار، وغرسوا من بساتين، وحفروا من آبار، وأقاموا من سدود، ومدوا من قنوات سواقي الري في شَتَّى النواحي الصحراوية المتباعدة، فكونوا

واحات زاهرة مزخرفة تلمع في وسط الصحراء القاحلة لمعان النجوم في سماء ليل بهيم. أجل، لولا ما نشروا من علم وركزوا من عقائد صحيحة، وقاوموا من بدع مبيرة، ومرنوا الجماهير على اتباع القول العمل، وأحيوا من معالم دين مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم في وسط عصر عمته الفوضى والجهالة، وتحكمت فيها الأهواء والتروات، وطغى سلطان المادة على النفوس فطمس بصائرها أن تتنور بالْحَقِّ، فانغمست في محبة