الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٨٢

الإباضية في موكب التاريخ

218

الإباضية في الجزائر

فوجده يشتغل على تلك الحال، ورأى أبو مسور أن هذه الحالة لا تتناسب مع شيخه الوقور الذي يعتبر قدوة وإمامًا فأخرجه إلى الْخُطَّة، وَلَمْ يزل الشيخ يتوب بين يدي تلميذه ويتعهد بأنه لن يعود إلى هذه الحالة حتى قبل منه، وأراد أبو مسور أن يستمر في عتاب شيخه فأسكته الشيخ قائلا: "قد كان لك ذلك قبل قبول التوبة، أما بعد قبولها فليس لك أن تلوم". وَلَعَلْ هَذه القصة لا تتم إلا بالصورة المناقضة لها في القصة الآتية: فقد ذكر أبو العباس الدرجيني في كتابه الطبقات ما يلي: قال" أبو الربيع: جئت لزيارة عبد الله بن الأمير فلم أجده في منزله فأعلمت أنه في الأندر فقصدته، فوجدته في جبَّة صوف وقد وضع كساءه، وهو يضم أطراف الأندر، فَلَمَّا رآني تنحى إلى كسائه فلبسه، فلاقاني، فصافحته ثُمَّ أقبل يعتذر كَأَنَّهُ أساء في وضع الكساء. وقلت له: وهل في ذلك من بأس، أليس هو العمل في الحلال؟ ". فقال: "نعم، ولكن أين من يحسن العمل في الحلال، إنَّما يحسن ذلك أبو صالح"، فقلت: "وكيف كان عمله؟ " قال: "كان" في أيام الحصاد يحمل الزرع إلى الأندر على ناقة له، فإذا كان وقت صلاة الضحى أناخ ناقته وحط عنها حملها، ثُمَّ عقلها وحل إزاره، وأخذ في الصلاة حتّى يصلي ما كان يصلي قبل ذلك، ثُمَّ يرجع لناقته فهكذا العمل في الحلال إنَّما هو ما لم يضر بعمل الآخرة".

أحسب أن الأمثلة السابقة كافية لإيضاح الصورة التي أردنا أن نضعها لذلك المجتمع الذي وضع لنفسه سيرة يُحافظ عليها كما يُحافظ على بقية ما أوصى به الإسلام، ويحاسب أفراده على صغار الأمور وكبارها بلا هوادة ولا تلطف.

وعندما يتأمل القارئ الكريم جميع الصور السابقة التي طبق فيها حكم الهجران على عدد من الأفراد والجماعات يجد أن أكثرها إنَّما أوقع عَلَى ترك الفضائل والمستحسنات، وليس فيها ما

أوقع على ارتكاب الكبائر والمحرمات اللهم إلا ما أسند إلى قبيلة مغراوة من تطيفف الكيل. ويكفي هذا دليلا على مقدار ما كانوا عليه من خلق ودين ومن قوة في الإلزام والالتزام بما جاءت به الشريعة السمحة الغراء، إما في نصوصها الثابتة، أو ما نقل عن المقتدى بهم في خير القرون، أو ما اتفق عليه المسلمون ورأوه صلاحًا.