الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٨٣

الإباضية في موكب التاريخ

219

الإباضية في الجزائر

الإباضية مع جيرانهم

عندما نطلق كلمة الإباضية في هذه الحلقة فَإِنَّمَا نعني بِهَا إبَاضِيَّة الجزائر في أغلب الأحوال،

والإباضية في الجزائر قد عاشوا في بادئ الأمر منتشرين في كافة القطر الجزائري، ثُمَّ انحازوا إلى أرض الجنوب واعتصموا بالواحات والصحراء، ثُمَّ انتهى بهم الأمر إلى أن تقلصوا من جميع الأماكن التي كانوا يعمرونها وانحصروا في "وارجلان" و"وادي ميزاب". شك أن جيران الإباضيَّة في الفترات الوسطى إنَّمَا كانوا في بعض الجهات دولا

ولا

وإمارات، وفي أخرى مغامرين وطلاب حكم، أو بداة يعيشون على النسق الذي اعتاده بنو هلال وبنو سليم من الغارة والنهب والسلب والقتل أما جيرانهم في الفترات الأخيرة حيز انحصروا في "وار جلان" و "وادي ميزاب" فقد كانوا من أولئك الضاربين في الصحراء، يعيشون مع الأنعام، ينتقلون بها من واد إلى واد.

وعندما كنت أراجع ما لدي من مصادر لاستخراج الصورة التي كان عليها الإباضية بين جيرانهم كنت أعد سؤالا وجهته إلى كُلّ من الشيخين الفاضلين أبي اليقظان إبراهيم وباكلي عبد الرحمن، وقد تفضل كُلّ من الشيخين فأجابني عن سؤالي على انفراد. ويسرني أن أضع أولاً بين يدي القاريء الكريم الصورة التي وضعها العلامة الفاضل شيخنا أبو اليقظان. قال -رحمه الله -: "إن حالة الإباضية مع جيرانهم من المسلمين تختلف باختلاف الميادين التي كان يعيش هؤلاء وهؤلاء فيها، وهي طبعا - تبع للظروف السائدة في كُلّ ميدان، ففي ميدان الاقتصاد تَمرُّ بين الفريقين أزمات فيها كثير من المرارة والتشاكس، رُبَّمَا تؤدي إلى اغتيال ونهب وسلب وسرقة، بينما جيرانهم الإباضية - يقفون في سائر الأحوال موقف دفاع، وعند دفع العدوان ينكفون عن الشر حسب مبادئ أسلافهم الصالحين الإباضية الأولين. وفي ميدان الاجتماع كذلك تنشأ أحيانًا أزمات حادة قد يثيرها الاستعمار أو بعض المتعصبين ضد الإباضية من الطعن في مذهبهم، أو في أفراد منهم بارزين فتنشأ عن ذلك ردود فعل هنا وهناك، رُبَّمَا تتسم بانحراف أقلام المدافعين وقد اشتدت هذه الأزمات النفسية في أواخر القرن التاسع عشر المسيحي وأوائل القرن العشرين، عندما تكالب الاستعمار على