الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٩٥

الإباضية في موكب التاريخ

231

الإباضية في الجزائر الذي أوقف الجماهير بعيدا عن الاسترسال وراء الشهوات والحظوظ النفسية .. فكم نال أفرادها في سبيل الاضطلاع بحملها أذى كثير سجن وتغريم وتعذيب وفتنة وإذلال وإهانة فلم يصدهم شيء من ذلك عن أداء رسالتهم، نصرة للدين، ونصحا الله ولرسوله وفَمَا وَهَنُوا لما أَصَابَهُمْ في سبيل الله وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَالله يحب الصابرين (1)

فإذا لم تكن ثَمَّة حياة أحلى لدى القائمين بدين الله من مصارعة الباطل (وياما أحلى الشقاء في سبيل تنغيص الظالمين)، وإذا كان لا يهنا بال القاسطين ما رأوا الْحَقِّ يشق طريقه نحو هدفه، وأنصاره يزدادون في إقراره ونشره ثباتًا ونشاطا.

فإن حياة العزابة لا تكون إلا حياة صراع مستمر ضد الباطل في شتى صوره وألوانه، وإن تاريخها ليطفح بقضايا كانت ميدانا للصراع العنيف بين الْحَقِّ والباطل نذكر منها على سبيل النموذج المسائل الآتية:

1 - (في كفاح البدع: مسألة البناء على القبور والتوسل بها. مسألة إلغاء ميراث المرأة (2) على

عادة الجاهلية، وحسبما يجري به العمل الآن في بعض الجهات، عدم احتجاب المرأة عن حميها. أثارت العزابة ضدها حملات عنيفة اضطربت لها أركان البلاد وعصفت عواصفها مدة طويلة، وظل العزابة يبينون فيها وجه الْحَقِّ، ويدعون إلى ترك مألوف العادات التي تتصادم مع الشرع، وإن استصعبت النفوس مفارقتها فإن في الصبر على ما يكرهون خيرًا كثيرًا، ثُمَّ ما فتئوا يبشرون وينذرون ويقرعون ويربتون حتَّى فهم الناس وجه الْحَقِّ وعاد إليهم صوابهم، فانتصر الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً.

2 - (في كفاح الرذيلة): تطهير المدن من أعشاش الخناء وحارات البغاء التي ركزتها قوى الكفر بدعاوى ما أنزل الله بها من سلطان، فصمد المسجد يصك الأسماع بزواجره وقوارعه، ويزلزل القلوب بحججه وبراهينه ويوقظ العقل بحكمته وإقناعه، وما عتم مع السلطة الزمنية في زعزع ورخاء، وجذب وإرخاء، ووعد ووعيد، وترقيق وتهديد، حتّى اجتثت شجرة

(1) سورة آل عمران: 146. (2) راجع ما كتبته في فصل "لا يا أخي".