تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ١٥٣باعتبار عهدية جنسه ويوصف المسند إليه للمدح أو للذم أو الترحّم، ولا مانع من اجتماع معينين فصاعدا في نعت واحد بأن يقصد أحدها بالذات والباقي غير مقصود بالذات، بل لا مانع عندي من قصدها بالذات كلّها، إذ ليس من باب استعمال الكلمة في معانيها، مثل: أن يكون زيد معروفا فنقول: "جاء زيد العالم" فتعطفه بلفظ العالم وتترحم عليه بأن ذكرته بالعلم في مقام ذكر الإضرار به، أو مثل: " جاء زيد العالم " إذا لم يعرف إلا بلفظ العالم فذكرته بعالم ليعرف به، ولفظ "عالم" مدح ولو لم تقصده بالمدح أو قصدته. وقيل: إذا لم يكن الوصف للتخصيص أو الإيضاح حمل على الذمّ أو المدح أو الترحم، ويوصف المسند إليه للتأكيد وهو التقرير، وليس النعت فيه توكيدا اصطلاحيا معنويا ولا لفظيا، إذ اسمه، نعت نحو: "أمس الدابر كان يوما عظيما" أو "الغد المستقبل كان يوما مهولا على أعدائنا" فإنّ لفظ "أمس" يدلّ على الدبور، و"الغد" على الاستقبال، وقوله تعالى {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْحَةٌ وَاحِدَةٌ) 182 فنفخة واحدة دال على الوحدة، وإن قيل: أي فائدة لهذا التوكيد في المثالين، قلت: إنما يقال ذلك إذا اقتضاه المقام، كما إذا وقع في الأمس غم فيكون ذكر الدابر إشارة للفرح بدبوره، أو يكون فيه سرور فتشير بدبوره إلى التأسف عليه، وتشير باستقبال غد إلى أنه قريب الوصول إذ وصفته بأنه قد شرع في القرب إلى الوصول نحب، ذلك لأنّ غم العدوّ محبوب
وينعت المسند إليه أيضا لبيان المقصود واحتمالي اللفظ أو احتمالاته، كقوله تعالى {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ 183 وصف الدابة بـ"في الأرض" و"الطائر" بيطير) بجناحيه لبيان أن القصد الجنس المتحقق في كلّ فرد لا طائفة من الأفراد مخصوصة فإنهما ولو كانا عامين لكونهما نكرتين بعد السلب، لكن يجوز أن يراد بهما دوابٌ أرض واحدة وطيور جو واحد فيكون استغراقا عرفيا بوصفهما دواب الأرض كلّها وطيور الجو كله، ولكن المراد: ما من دابة سواكم؛ لقوله إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ، وإنما صح الإخبار بـ "أمم" على دابة وطائر مع أنّ المراد: كل فرد فرد لاعتبار المجموع المتحصل من كل فرد فرد والمراد أن الدواب والطيور أمم
182
الحاقة 13
183 - الأنعام جزء من 38 - الآية الكريمة (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)
137