تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ١٦٣11
جاء زيد فجاء عمرو " أو " ثم جاء عمرو " والذي عندي في ذلك أن الاختصار بترك تكرير العامل اختصار في المسند ـ كما علمت، ثم أنه كما يفصل المسند (بالفاء) و (ثم)، إذ بين ب (الفاء) ترتيبه باتصال في جانب المسند إليه المعطوف، و (تم) بانفصال في جانبه، كذلك يفصل ب (حتى) نحو: " جاءني القوم حتى خالد " إذ أجزاء ما قبل "حتى " مرتبة في الذهن من الضعيف إلى القوي، ومن القويّ إلى الضعيف؛ فمعنى تفصيل المسند إليه بـ"حتى" أن يعتبر تعلقه بالمتبوع أولا، وبالتابع ثانيا من حيث أنه قوي أو ضعيف بالنسبة إلى أجزاء المتبوع. وحاصل ذلك أنّ تعلق الحكم بالأوّل أولى من تعلقه بالثاني، وليس مدلول حتى ترتيب تلك الأجزاء في الذهن بسبب التفاوت بالضعف والقوة إلى أن ينتهي إلى أقواها أو أدناها وهو المعطوف، وإنما مدلولها الغاية قوة أو ضعفا، وإنّما حتى على ترتيب الأجزاء باللزوم لا بالوضع. وكذا يفصل بـ"حتى" المسند إليه، فإن قولك: " جاء القوم حتى خالد " تفصيل لجاء القوم كلّهم، أو لجاء القوم قويّهم وضعيفهم؛ ف (الفاء) و (تم) و (حتى) مشتركات في تفصيل المسند والمسند إليه، وليس في (حتى) اختصار الإسناد كما كان في (الفاء) و (ثم)؛ لأن قولك: جاء القوم حتى خالد " ليس على قصد قولك: " جاء القوم حتى جاء خالد " ولو كان ربّما جاء مثل قولك: " أكرمت القوم حتى أكرمت دوابهم " لكن إنما يجيء مثل هذا على قصد معنى قولك: " عممتهم بالإكرام حتى
"1
دوابهم " وإنما صح حتى دوابهم لأن مدخول (حتى) كما يكون بعضا مما قبلها يكون جزاء كأكلت السمكة حتى رأسها " أو كجزء نحو: "أكرمنا الله حتى دوابنا " و" أعجبتني الجارية حتى حديثها " والجملة يشترط أن يكون متبوعها ذا تعدّد في الجملة حتى يتحقق فيه نقص، وتفصيل المسند إليه بـ (الفاء) و (ثم) و (حتى) ليس العطف بهنّ لأجله فهو حاصل بهن لا مقصود بهن، فتفصيل المسند إليه كأنه كان أمرا معلوما، فسيق الكلام لبيان أن مجيء أحدهما بعد آخر باتصال أو انفصال، أو أنّ المعطوف غاية فيما قبله قوة أو ضعفا، وهذا في (حتى لأنها لا تفيد الترتيب في صدور الفعل المنسوب أو انتفائه فهي تعطف السابق على اللاحق، واللاحق على السابق والمتلاحقين؛ فتقول: " قدم الحاج حتى المشاة " سواء تأخر قدوم المشاة عن الراكبين أو تقدّم، أو مثل: " مات كل أب حتى آدم " جاء واقعا. وتفصيل المسند إليه للتوسل إلى تفصيل المسند،
147