تخليص العاني من ربقة جهل المعاني امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

تخليص العاني من ربقة جهل المعاني

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

ومثال المانع من الحصر قولك: (شَرٌّ أَهَرَّ ذَا نَابِ) فإن فيه مانعا من الحصر، أما على الحصر في الجنس فلا امتناع أن يراد أنّ الذي أهره شر لا خير؛ لأنّ الخير لا يكون مُهرًا، فضلا عن أن ينفي هريره ذا ناب بالحصر في الشر، وإن قلت فليكن الحصر تصريحا بالواقع كالصفة الكاشفة لا احترازا فلا مانع من أن يقال: "إنّما أهره شر" ولو كان لا يمكن أن يهره خير. وقد لوح السكاكي إلى أنّ اختصاص الصفة بالموصوف لا يمنع الحصر بل يجامعه، قلت: ما لا يحتاج إليه ممنوع عند البلغاء الذين كلامهم موضوع هذا الفن، فهو خارج عن البلاغة ولو كان جائزا في نفسه، ولعلّ كون اختصاص الصفة بالموصوف لا يمنع الحصر إنما هو إذا لم يكن الاختصاص معلوما لكل أحد، ولذا منع السكاكي الحصر في "شَرِّ أَهَرَّ ذَا نَاب"، وأما على الحصر في الواحد فلانه ليس المراد أنّ المهر شر لاشران أو لا شرور. أما على مورده فظاهر، وأما على مضربه إذ كان يضرب في مقام الحثّ على شدّة التحريض على قوة الاعتناء بالشر، فكون المهر شرا لا شرين ولا شرورا يوجب التساهل وقلة الاعتناء - وذو ناب: كلب، و"الإهرار: صوته عند تأذيه عجزه عمّا يؤذيه، وقيل مطلق الصوت - وعليه فالتقديم للحصر فهو يصوّت للخير وللشر [أو] الحصر أنه ما أهره إلا شر، والأرجح الأول.

ووجهه

أن

وقد صرّح الأئمة بالحصر فيه مطلقا، وقالوا معناه: "ما أهر ذا ناب إلا شرّ" تنكيره للتعظيم والتهويل، والحصر من جهة التعظيم والتهويل فالمعنى شرّ عظيم فظيع لا شرّ حقير، فالحصر نوعي في الجنس أو الواحد، ومانع الحصر إنما منعه من حيث الجنس والوحدة،

208

2 - قال سيبويه: وفي المثل: شَرِّ أَهَرَّ ذا ناب وحَسُنَ الابتداء بالنكرة لأنه في معنى ما أَهَر ذا ناب إلا شر أعني أن الكلام عائد إلى معنى النفي وإنما كان المعنى هذا لأن الخبرية عليه أقوى، ألا ترى أنك لو قلت: أمر ذا ناب شر، لكنت على طرف من الإخبار غير مؤكد؟ فإذا قلت: ما أَهَر ناب إِلا شَرٌّ، كان أوكد، ألا ترى أن قولك ما قام إلا زيد أوكد من قولك قام زيد؟ قال: وإنما احتيج في هذا الموضع إلى التوكيد من حيث كان أمراً مهماً، وذلك أن قائل هذا القول سمع هَرِيرَ كلب أضاف منه وأشفق لاستماعه أن يكون لطارق شر، فقال: شَرِّ أَهَرَّ ذا ناب أي ما أَهَرَّ ذا ناب إِلا شَرٌّ تعظيماً للحال عند نفسه وعند مُستمعه، وليس هذا في نفسه كأن يطرقه ضيف أو مستر شد، فلما عناه وأهمه أكد الإخبار عنه وأخرجه مخرج الإغلاظ به. و هاره أَي هَرَّ في

وجهه.

162