تخليص العاني من ربقة جهل المعاني امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

تخليص العاني من ربقة جهل المعاني

الجزء ١ · صفحة ١٩١

"عاقل الثاني" نعت الأوّل للتأكيد، أي: تحقق أنه عاقل، أو نعت من لفظ المنعوت مفيد للكمال، أي: حكم عاقل بلغ النهاية في العقل كظل ظليل، وجملة" أعيت مذاهبه " برفع مذاهب على الفاعلية خبر المبتدأ وهو في "جاهل جاهل" ما في "عاقل عاقل"، إلا أنهما بالرفع على الابتداء

بالخبر عطفا على "عاقل عاقل" على تقديركم، وعلى كل حال "فتلقاه مرزوقا" خبر المبتدإ. واعلم أن المقابل الحقيقي للعاقل المجنون وللجاهل العالم، ففي إيقاع جاهل مقابلا للعاقل رمز إلى أنّ العقل بلا علم لا يعتد به، وأن الجهل يلزمه الجنون. فالعاقل يجب عليه أن يتحلى بالعلوم لئلا يتعطّل عقله، والجاهل مجنون لتباعده عن اكتساب الكمالات. وأراد بقوله "عاقل وزنديق نفسه" فأخطأ في الأوّل وأصاب في الثاني؛ أما في الأوّل فلأن مقتضى العقل أن لا يتوغل في الأمور الإلهية ولا يعترض على الله فيها، وأما في الثاني فلأنه زنديق ملحد.

وخطأ أيضا في وصف نفسه بـ"العالم التحرير "لأنه لو كان عالما تحريرا ما اعترض على

الله

في ذلك، وغفل عن كون الرزق رزقين حسيا ومعنويا وأنّ الثاني أفضل لأنه رزق العلوم والمعارف والحكم، وأين هذا من قول بعض العارفين: [من الرجز]

وَجَاهِلِ لَهُ قُصُورٌ وقُرَى

كُمْ عَاقِل يَسْكُنُ بَيْنا بالكرا

لَمَّا قَرَأْتُ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ

نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ زَالَ الْمَرَا

222

وقول بعضهم: [من الرجز]

كُمْ مِنْ اريب فهم قلبه

ومن جهولٍ مُكْثر ماله

مُسْتكَمِلِ الْعَقْلِ عَقْلِ غَرِيـ ذَلِكَ تُقَديرُ الْعَزِيزِ الْعَلِي

لم

ومعنى "أعيت "مذاهبه أعجزته مذاهبه، وهي طرق معايشه - " فأعيت" متعد – أو صعبت عليه مذاهبه فهو لازم، والأوّل أولى لأن حذف المفعول به أولى من حذف الجار والمجرور، و"ترك" بمعنى صير متعدّ لاثنين، و"الأوهام" العقول على حذف مضاف أي: أصحاب الأوهام، أو على تسمية المحلّ وهو أصحاب العقول باسم المال، أو على ظاهره بجواز وصف العقل بالحيرة و"التحرير" المتقن، يقال: نحر الأمور، علما أي أتقنها و علما " تمييز عن مفعول، أي: أتقن علم

222 - إشارة إلى قوله تعالى في سورة الزخرف 32 يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتِ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُحْريًّا وَرَحْمَةً رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)

175