تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ١٩٢الأمور. وتفسير "النحر" بالإتقان تفسير مجازي لعلاقة المشابهة ووجه الشبه إزالة ما به الضرر، فإنّ "النحر" الذي هو في معنى الذبح يزيل الدماء والرطوبات التي بالحيوان، و"الإتقان" يزيل الشكوك والشبهات أو وجه الشبه إثبات الشيء بحيث لا يتعاصى؛ فإن المنحور ميت لا يتعاصى، وكذا الأمر المعلوم المتقن أو التمكن بالدخول. و"الزنديق" الجاحد الله تعالى، وإن قلت: إذا كان هذا ضمير "الأوهام حائرة " فغاية أمر العالم أن يتحيّر فمن أين يصيره جاحد الله الله جل؟ قلت: إن نفي وجود جحود، وعدم العلم بوجوده جحود، والتردّد في وجوده جحود، كذا ظهر لي - فإذا تحيّر فهو جاحد ثم رأيت عصام الدين أجاب بغير هذا؛ وهو أنه جعله الغضب المستولي عليه من حرمانه مع استحقاقه على زعمه منكرا الله معاندا. وقوله هذا إشارة إلى حكم سابق غير محس وهو: كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا؛ فالقياس الإضمار لتقدم ذكره مع كونه غير محس، والإشارة حقيقة في المحسّ ولكن عدل إليها لكمال العناية بتمييز ذلك الحكم، ليري السامعين أنّ هذا الشيء المتميز المعين هو الذي له الحكم العجيب، وهو جعل الأوهام حائرة والعالم التحرير زنديقاً، فالحكم البديع هو الذي أثبت للمسند إليه المعبر عنه باسم الإشارة، وهو: "جعل الأوهام حائرة وتصيير العالم النحرير زنديقا" لا ما قال بعض: إن الحكم البديع كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا، وأن معنى كونه بديعا أنه ضد ما كان ينبغي. ومثله
قول الشاعر: [من البسيط]
كم من قوي قوي في [تقلبه]
وكم من ضعيف ضعيف في تقلبه هذا دليل على أن الإله له
والله أعلم.
مهذب الرأي عنه الرزق منحرف
كانه من خليج البحر يغترف في الخلق سر خفي ليس ينكشف
223
ويوضع اسم الإشارة موضع الضمير للتهكم بالسامع كما إذا كان السامع فاقد البصر أو لا يكون في حضرة المتكلّم مشار إليه محسّ بل فيها غير محس أو لم يكن فيها أصلا بل غائب، كما إذا قال أعمى" هل قام عمرو " فقلت: " قام هذا " مشيرا لغائب أو حاضر لم يحسه ببذنه ولا
بسمعه.
- كذا في الأصل، والصواب " كم من ضعيف " ليستقيم الوزن
176
223