تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤294
تقرر في قوله تعالى (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتَنِي من أن يحتمل المتنني في مراودته بدليل تراود فتاها أو في حبّه بدليل قد شغفها حبّا، فكذب إحدى القرينتين غير لازم. وإن قلت: كيف جاز فصبر جميل أجمل مع كونه على تقدير أجمل من صبر غير جميل، أو من الجزع ولا جمال في الجزع وفي صبر غير جميل؟ قلت: في غير الجميل أو في الجزع جمال بالنسبة إلى النفس؛ لأنّ في الجزع والصبر غير الجميل جمالا دنيويا غير ديني، وهو استراحة النفس إلى ما تخرج به عن الصبر الجميل، أو يقدّر فرض جمال أي أجمل من غيره لو كان في غيره جمال، كقولك: " عمرو أفضل من الحمار "، والصبر الجميل الذي لا شكاية معه إلى الخلق، والهجر الجميل الذي لا إذاية معه، والصفح الجميل الذي لا عتاب معه. وقد أطَلْتُ تفسير الصبر والجزع في كتاب شرح التبيين النيل 295
من
وقد يترجح في الآية تقدير المسند إليه لأنه أكثر، فالحمل عليه أولى، ولأن الكلام سيق للمدح بحصول الصبر له، والإخبار بأنّ الصبر الجميل أجمل لا يدلّ على حصوله له، ولأنه في الأصل مصدر منصوب ـ كما مر ـ وحمله على حذف المبتدإ أوفق القراءة (النصب) التي يعهد في
-
مثلها العدول إلى الرفع على الابتداء - كما مرّ ولأنّ الأصل في المبتدإ التعريف وهو حاصل إذا حملت الآية على حذف المبتدإ لا إذا حملت على حذف الخبر ولتكلّف الجواب في قولك: " صبر جميل أجمل " بأن المراد: أجمل من الجزع مثلا باعتبار أن فيه جمالا بحسب النفس، أو بفرض أنّ فيه جمالا، قيل: ولأنّ قيام الصبر به قرينة حالية على حذف المبتدإ وليس لك دليل على حذف لفظ الخبر الذي هو أجمل. وبحث فيه السعد 296 بأن وجود الدليل شرط الحذف فحينئذ لا يجوز الحذف أصلا، والدليل هنا إذا أصاب الإنسان مكروه فكثيرا ما يقول: "الصبر خير" حتى صار هذا المقام مما يفهم منه هذا المعنى بسهولة. والله أعلم.
خصوص
-
294
يوسف جزء من 32 - الآية الكريمة) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدَتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ
يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْحَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِين)
295
296
- شرح كتاب النيل وشفاء العليل
29 - ينظر المطول 1: 186 – 187
208