تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ٣٠٤على شدة اتصال المضمر المتصل بالفعل، حتى إنه متأخر ولا حصر فيه، مع أن الحصر بعد (إنما) على (أنت) خبر، نحو " إنما قمت " فإن معناه: "ما كان منّي إلا القيام"، وليس معناه: "ما قام إلا أنا"، فالفعل والمتصل ككلمة واحدة. وإن قلت صحة الانفصال متوقفة على تضمّن حرف السلب والاستثناء، ومعرفة التضمّن متوقفة على صحة الانفصال لاستدلالنا بها عليه، وذلك دور. قلت: التوقف الأول توقف حصول، والثاني توقف معرفة فلا دور. ومن الفصل قول الفرزدق: [من الطويل] أَنَا الذَّائِدُ الْحَامِي الدِّمِارَ وَإِنَّمَا
عنف
يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي
398
فـ"أنا" فاعل يدافع، أي: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي، "الذائد" بإعجام (الدال) الأولى بمعنى الطارد، و"الحامي" المانع الحافظ، و"الذمار" العهد يمنع نقصه ويحفظه. وقيل الذين إذا لم يحمهم وليم، كعياله وجاره وصاحبه وسائر حريمه وماله و (الواو) في و"إنما يدافع" للاعتراض الذي يذكر في هذا الفن، وفيها قيل معنى التعليل أي لأني شجاع مطاوع، وإنما للقلب أو للإفراد أو للاشتراك بحسب اعتقاد من يخاطبه الفرزدق، و"الأحساب": جمع حسب [وهو ما يعده المرء من مفاخر نفسه وآبائه والأصل أنه المفخرة، ولو قال: "إنما أدافع" (بالهمزة) لكان المعنى "أدافع عن أحسابهم لا عن غيرها، وكان من قصر الصفة ـ وهي الدفاع - على الموصوف - وهو والأحساب - وليس ذلك بمراد فأظهر الضمير منفصلا، فكان المعنى: "لا يدافع عنها إلا أنا أو مثلي، وكان أيضا قصر الصفة على الموصوف، لكن الصفة الدفاع والموصوف "أنا ومثلي"، وكونه لو قال: "أدافع" (بهمزة المتكلم) لكان حصر الدفاع في أحسابهم مبنيان على تسليم إفادة (إنّما) الحصر التي هو الدعوى، قلتُ: علمنا من قرينة المدح أنها للحصر، وهذه القرينة من خارج، ولا يصح أن المدح حصر، وصح أن (إنّما) للحصر، ولا يصح أن يقال: الفصل ضرورة؛ لأنه يمكن أن يقول: "أدافع" (بالهمزة) فيكون "أنا" تأكيدا للمستتر في أدافع، وهذا على مذهب ابن مالك: أن الضرورة ما لا
398
=
وردت في الديوان 153/ 2 بالصيغة الآتية: أَنَا الضَّامِنُ الْرَّاعِي عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا ولقد نسبه بعضهم إلى أمية بن أبي الصلت.
288
يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي