تخليص العاني من ربقة جهل المعاني
الجزء ١ · صفحة ٣٥٨وإما لكونها مبينة لخفائها بالمقوية كقوله تعالى ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فيه 477 لا يغلط ولا ينسى، لكن نزل كتابه على طريقة العرب في كلامهم، فإنّه لما كان ذلك الكتاب في الدرجة القصوى من الكمال يجعل المبتدإ اسم إشارة دالاً على كمال العناية بتميزه مقرونا بـ (لام) البعد
كانه
دلالة على التعظيم لعلوّ الدرجة، وبالحصر بتعريف الخبر بـ (أل) بعد تعريف المبتدإ، حتى ليس غيره من كتب كتابا جاز على عرف الكلام أن يتوهم السامع أنه قيل ذلك بلا تحقيق وإتقان للأمر، كما يصدر كلام بلا تفكر ولا بصيرة من قائله، فأزال ذلك بقوله: (لا رَيْبَ فِيهِ كأنه قال لم أغلط و لم أنس، كما يكون ذلك شأن الخلق، و لم أتجوز في ذلك و لم أتساهل كما
(
خبر
11
يتساهل المبالغون في المدح بوصف الشيء بغير وصفه، فهو كنفس من قولك: " جاء زيد نفسه في دفع مطلق التجوز وغير المراد، ولو كان ذلك بنفسه باعتبار المفرد، وفي الباب باعتبار الجملة، فالمدفوع بها الغلط والنسيان والتجوز، والمدفوع به التجوّز بإرادة رسول زيد مثلا، قيل: أو يدفع به الغلط في ذكر زيد بدلا عن رسوله المقصود أو التجوّز في ذكر زيد دون رسوله، وكلاهما مراد أو الغلط بذكره دون عمرو أو كلاهما، وزعم بعض أيضا أنّ " جاء زيد نفسه " يفيد دفع الغلط بالنسبة لمن توهّم أن الجائي الزيدان وكقوله (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) على أنه لمحذوف أي "هو هدى"، فإنّه يفيد قوله ذلك الكتاب، لأن معناه الكامل في الهداية، وهذا المعنى موجود أيضا في قوله (هدى) للمتقين (إذ جعل نفس الهدى، كقولك: " زيد صوم " إذا بالغت في وصفه بالصوم، وكأنه نفس الصوم وإذ نكر "هدى" للتعظيم أي: " هدى عظيم"، فـ"هدى للمتقين مع قوله "ذلك الكتاب " لتوكيد اللفظي في " جاء زيد " وذلك أن الحصر بظاهره محال، وكذا كون الكتاب نفس الهدى، ولكن أريد الكمال في كونه كتابا، وفي كونه يهدي به، فاتفقا في الكمال، و"لا ريب فيه" مع "ذلك الكتاب" كالتوكيد المعنوي بنفس، وإن قلت: المتقون مهتدون فكيف يكون القرآن هدى لهم وهدى لك إلا تحصيل حاصل، قلت: المراد: زيادة "هدى" بنزول حكم لم يزل قبل وبزيادة الإيمان بكل ما نزل لأنه كلما نزل آية أمنوا بها. أو المراد: هدى لهم من الضلال قبل أن يكونوا متقين أي هدى للضالين الصائرين إلى التقوى. أو المراد: المشرفون على التقوى. أو المتقون في علم الله تعالى. وهذه الثلاثة متحدة الماصدق.
477
-
البقرة جزء من 2 الآية الكريمة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)
Y
342