الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ١٠٥

هذا الجبل مركزاً تجاريًّا هامًّا خاصَّة عاصمة الجبل "جادو" التي يسكنها البربر الإبَاضِيَة. فابن حوقل (ت.380هـ) يذكر أنَّ طول هذا الجبل مسيرة ثلاثة أيَّام، وأنَّ فيه مدينتين هما: "شروس" و"جادو"، وتشتهر الأولى بكثرة مياهها وكرومها وأعنابها وتينها.(1)

أمَّا البكري والبغدادي فيحدِّدان طول الجبل بمسيرة ستَّة أيَّام من الشرق إلى الغرب، وأنَّه يبعد عن مدينة طرابلس مسيرة ثلاثة أيَّام، وعن القيروان بستَّة أيَّام.(2)

ويذكر البكري أنَّ "جادو" مدينة كبيرة تكثر فيها الأسواق ويسكنها يهود كثيرون. كما يصف "شروس" بأنَّها مدينة كبيرة آهلة تحيط بها القرى الكثيرة التي يتجاوز عددها ثلاثمائة قرية آهلة.(3)

وكانت لإبَاضِيَة جبل نفوسة علاقات تجاريَّة نشطة في منطقة "فزَّان" وبلاد "كانم" في السودان الأوسط، ومدينة "غدامس" التي تقع على الطريق الذي يمرُّ ببلاد كانم وقد اشتهرت هذه المدينة كما يقول ابن سعيد «بجلدها المفضَّل وإليها ينسب».(4) وهي ليست بعيدة عن جبل نفوسة إذ يحدِّد البكري المسافة بسبعة أيَّامٍ في الصحراء.(5) وربَّما كانت "غدامس" المحطَّة الرئيسيَّة بين جبل نفوسة وتادمكة لأنَّه يوجد طريق يربط تادمكة بغدامس. فالبكري يصف مراحل هذا الطريق ويحدِّد المسيرة بينهما بخمسة وعشرين يوماً.(6)

ولا نعرف الجذور الأولى لهذه العلاقات التجاريَّة التي كانت بين جبل نفوسة و"وارجلان" لكن ممَّا لاشكَّ فيه أنَّ هذه العلاقات كانت وثيقة باعتبار أنَّ جبل نفوسة كان له دور كبير وفعَّال في انتشار المذهب الإبَاضِي. وكانت قبيلة نفوسة السنَد القوي للإبَاضِيَة في المغرب الأوسط طيلة القرن الثاني والثالث للهجرة (الثامن والتاسع الميلادي).

وأوَّل إشارة لهذا الطريق جاءت في كتاب الإدريسي حيث ذكر بأنَّ هناك طريقاً بين جبل نفوسة ووارجلان مسيرته ثلاث عشرة مرحلة(7) لكنَّه لا يشير إلى مراحله. ويرى "ليفيسكي" أنَّ هذا الطريق يمرُّ بواحة "أسوف" متَّجهاً إلى "نفزاوة" ومنها إلى جبل نفوسة.(8) وهذا ما يؤكِّده أبو زكرياء حين ذكر أنَّ أبا يعقوب يوسف بن الوالي ــ أحد شيوخ الإبَاضِيَة ــ لمَّا أراد مغادرة "تين يسلي" إلى نفزاوة

(1) - المصدر السابق، ص: 92.

(2) - البكري: المصدر السابق، ص: 9، والبغدادي: مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، ج 3، دار المعرفة، ط: 1، بيروت 1955، ص: 1382.

(3) - البكري: نفس المصدر، ص: 9.

(4) - كتاب الجغرافيَّة، ص: 127.

(5) - المصدر السابق، ص: 182.

(6) - نفس المصدر، ص: 182.

(7) - المغرب، ص: 106.

(8) 4 - LEWICKI: Etudes، P 29.

١٠٠ / ١٨١