الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ١٢٧

ولا يعني هذا أنْ يتستَّر الإبَاضِي عن مذهبه تستُّراً كاملاً. ذلك أنَّ الكتمان مرحلتان، مرحلة الاختفاء والتستُّر، والانعزال التام عن المجتمع لممارسته المذهب. وقد مارس الإبَاضِيَة هذه المرحلة إبَّان ظهور المذهب الإبَاضِي في البصرة أيَّام جابر بن زيد وأبي عبيدة، نظراً للظروف القاسية التي مرُّوا بها، والتي جعلتهم يبالغون في إخفاء مذهبهم، اتِّقاءً لغضب الوُلاَّة والحكَّام. فمن شدَّة حذَرهِم أقاموا الحلقات العلميَّة في سراديب، وفي بيوت العجائز متشبِّهين بالنساء، حيث لبسوا لباسهنَّ حتَّى لا يُكشَفَ أمرُهُم.(1)

أمَّا مرحلة الكتمان الثانية فهي مرحة الكتمان المعتدل الظاهر. وفيها يكون الإبَاضِيَة متمتِّعين بنوع من حرِّية الرأي، وإظهار نشاطهم الديني، إلاَّ أنَّهم غير قادرين على تأسيس دولة تجمَعُهم.

وتعتبر المرحلة التي تلت سقوط الدولة الرُّسْتُمِيَّة مرحلة كتمان معتدل. إذ ظلَّ الإبَاضِيَة الفارِّين إلى وارجلان يمارسون نشاطهم الدينيَّ طبقاً لمذهبهم.

وعلى الرغم من اعتقاد الإبَاضِيَة بوجوب الإمامة وضرورة وجودها في المجتع الإبَاضِي، إلاَّ أنَّهم يقيمونها حسب الظروف. لذلك نجد علماء الإبَاضِيَة يضعون لها شروطًا، إذا ما توافرت يصبح إعلان الإمامة أمراً واجباً. ويرى علي يحيى معمَّر أنَّ مجلس العزَّابَة في مرحلة الظهور والدفاع يمثِّل مجلس الشورى للإمام، وفي مرحلة الكتمان يمثِّل الإمام نفسه.(2)

ولمَّا أنشئ نظام العزَّابَة لم يستقر مؤسِّسه في مكان واحد بل راح يتنقَّل بين مواطن الإبَاضِيَة. فما أن استقرَّ في "أريغ" حتَّى كثر قطَّاع الطرق من قبائل بني "ورماز"(3). وأصبح الطريق غير آمن، ممَّا تسبَّب في بعض الأحيان في تعرُّض الشيوخ والتلاميذ الوافدين إلى حلقته للتعلُّم للقتل. حينئذٍ طلب الشيخ من "بني مغراوة"(4) ــ سكَّان المنطقة ــ التصدِّي لهؤلاء.

ولمَّا أعربوا عن عدم قدرتهم، انتقل إلى وارجلان. ولم يرجع إليهم إلاَّ بعد أن أعادوا الأمن والاستقرار إلى المنطقة بعد تأديب "بني ورماز"(5)

(1) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج1، ص36.

انظر عدُّون جهلان: الفكر السياسي عند الإبَاضِيَة من خلال آراء الشيخ محمَّد بن يوسف اطفيَّش، (1818 - 1914)، رسالة ماجستير في الفلسفة الإسلاميَّة، جامعة الجزائر 1987، ص235 - 237.

(2) - علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، الحلقة الأولى، ص97.

(3) - انظر التعليق في الفصل الأوَّل، ص50، هامش3.

(4) - انظر التعليق في الفصل الأوَّل، ص55، هامش4.

(5) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص386.

١٢٢ / ١٨١