الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ١٢٨كما أنَّ أبا عبد الله كان يزور أهل الدعوة للوعظ والإرشاد ويزور كلّ سنة جبال "بني مصعب" ــ أي منطقة وادي ميزاب ــ ليدعو سكَّان المنطقة. ويذكر أنَّ أبا عبد الله كان يبحث عن منطقة وعرة المسالك تكون حصناً للإباضية في المستقبل. كما أنَّ الإبَاضِيَة أرادوا الانتقال إلى مكان آخر بعد القحط الذي عرفته وارجلان وضواحيها، وكثرة الوافدين على هذه المنطقة بعد غزوات بني هلال.(1)
ومن خلال زياراته المتعدِّدة لجبال "بني مصعب" استطاع أبو عبد الله أنْ يرُدَّ بعض الواصليَّة إلى المذهب الإبَاضِي، وتخرَّج على يديه تلاميذ أصبحوا فيما بعد من العلماء البارزين.
ولم تقتصر هذه الزيارات على المغرب الأوسط، بل حلَّ في معظم مواطن الإبَاضِيَة سواء في إفريقيَّة أو في المغرب الأوسط.
وبعد هذه الرحلات عاد هذا الشيخ مرَّة أخرى إلى أريغ ليواصل نشاطه الديني رغم فقدانه البصر. وقد كلِّلت عودته هذه بافتتاح ثلاث مدارس جديدة، كلّ مدرسة تختصُّ بعلم من العلوم، يقوم بتدريسها للتلاميذ شيخ واحد. وكان "أبو يعقوب محمَّد بن بدر" يجلب التلاميذ المبتدئين من أهاليهم فيعلِّمهم الأدب والسير ثمَّ ينتقلون إلى محمَّد بن يوسف الوسياني(2)، فيقرئهم القرآن والإعراب والنحو. فإذا أجازهم الشيخ وصلوا إلى أبي عبد الله محمَّد بن بكر الذي يعلِّمهم الدين والعلم والأصول.(3)
وقد ظلَّ أبو عبد الله المرشد الدينيَّ للإبَاضِيَة في ذلك العهد. وهو الطريق الذي رسمه لنفسه منذ تكوين الحلقة، وأصبح شغله الشاغل خدمة أهل الدعوة إلى أن وافته المنيَّة سنة 440هـ (1048م)(4) تاركاً ثلاثة أبناء هم: أبو العبَّاس احمد، أبو يعقوب يوسف، وابراهيم بن محمَّد. وقد اشتهر أبو العبَّاس بكثرة تآليفه.(5)
2 - شروط العضويَّة في مجلس العزَّابَة:
وضع أبو عبد الله محمَّد بن بكر شروطاً هامَّة للارتقاء إلى هيئة العزَّابَة، حيث يشترط في العزَّابي أنْ يكون أديباً مشمِّرا في طلب العلم، لا يكثر دخول الاسواق والقعود في الجماعات، فإذا أراد الراحة ذهب إلى المواضع التي لا ينكر الجلوس
(1) - الدرجيني: نفس المصدر، ج1، ص183 - 184. انظر الجعبيري: نظام العزَّابَة، ص39.
(2) - لا نعرف الكثير عن أبي يعقوب أو محمَّد بن يوسف سوى أنَّهما كانا يقومان بتعليم الصبيان.
(3) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص397.
Addoun: Sociologie et histoire; p161
(4) - لا زال قبر الشيخ معروفًا إلى يومنا هذا. ويوجد قرب غار "تين يسلي" "ببلدة اعمر" قرب مدينة "توقّرت" بالجنوب الجزائري، ويشتهر بقبر سيدي محمَّد السائح، وعرفانًا بنشاطه البارز في خدمة المذهب بني المسجد قرب الغار الذي كان يعقد فيه حلقته سنة 441هـ (1049م). … انظر الجعبيري: نظام العزَّابَة، ص46.
(5) - الشماخي: السير، ص423.