الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

ويذكر الوسياني أنَّ شيخا يدعى أبا يعقوب يوسف بن نفَّاث القنطناري كان ينفقَّد المزارع والطرق، فإذا رأى أحداً اضطرَّ بها وأفسدها ضربه(1) ويذكر في موضع آخر أنَّ أحد شيوخ العزَّابَة يدعى "سعيد بن ابراهيم" كسر معزف امرأة كانت تغنِّي في أحد الملاهي.(2)

كما كان يحقُّ للعَزَّابَة حبس الأشخاص المجرمين بعد الحكم في قضاياهم. يذكر الشماخي أنَّ العزَّابَة حبسوا رجلاً ماطل في تسديد ديْن كان عليه ولم يخرجوه من السجن إلاَّ بعد أنْ دفع ما عليه.(3)

ومن هنا نلاحظ أنَّ للعَزَّابَة دوراً كبيراً في "القضاء". فالمصادر تذكر أنَّه كان في وارجلان موضع يعرف بِ"منبر وارجلان" يجتمع فيه القضاة من العزَّابَة بحضور الناس، ويحكمون على الجناة، كما يستعمل هذا المنبر للتشاور بين الناس في قضيَّة ما. فإذا كانت هناك مشكلة عويصة "اجتمع لها كلّ من بها من وجوه العزَّابَة ومن ينسب إلى العلم والرأي «وكان رأيهم في ذلك الزمان، إذا نزلت مسألة أنْ يجتمعوا … للتشاور في النوازل»(4)

ولا يكتفي العزَّابَة بالإشراف على المناطق التي يقيمون فيها بل كانوا ينتقلون بين مواطن إخوانهم للاطمئنان على أحوالهم. وكانت تقام لهم ضيافات كبيرة تقديراً لهم ولأعمالهم من أجل خدمة الدين. وممَّا يميِّز هذه الزيارات أنَّها تكون جماعيَّة. يخبرنا أبو زكرياء عن إحدى هذه الزيارات نقلاً عن أبي الربيع قائلاً: «طلعنا مع أبي عبد الله إلى وارجلان زائرين في جماعة كثيرة، وفينا قبائل أهل الدعوة بإجمالهم حتَّى جعل ببعض الطريق أبو عبد الله كلّ قبيلة منهم عريفًا وسفيرًا يرعاهم ويتفقَّد أمورهم خوفًا ممَّا يحدثون في وارجلان»(5)

ولم تقتصر هذه الزيارات التي يقوم بها العزَّابَة على الاطلاع على اخوانهم فحسب، بل كانوا يقيمون الحلقات العلميَّة والدينيَّة. يقول الوسياني: «إنَّ العزَّابَة في زمن أبي عبد الله وقبله إذا زاروا أهل الدعوة في البراري، فإذا دخلوا حيًّا من الأحياء بنوا لهم خيمة فيكونون في عزمهم مجتهدين».(6)

مرَّ بنا أنَّ العزَّابَة يقومون بهذه المهامِّ لوجه الله، لكن لا يعني هذا أنَّهم لا يتلقَّون المساعدات المالية من إخوانهم حتَّى يتسنَّى لهم أنْ يعيشوا حياة كريمة، ثمَّ ينفقون بقيَّة المال على المنشآت العامَّة كالمساجد وشراء الكساء والطعام للتلاميذ، وغيرها. فكلَّما مرَّ العزَّابَة بحيٍّ مِن الأحياء يقومون بجمع التبرُّعات وتقديمها لهم، ثمَّ تفرَّق على سائر العزَّابَة على قدر

(1) - الوسياني: السير، (مخ)، ج1، ورقة 28.

(2) - الوسياني: السير، (مخ)، ج2، ورقة 67.

(3) - الشماخي: السير، ص406.

(4) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص422 - 423.

(5) - سير الأئمَّة، ج2، ص321 - 322.

(6) - الوسياني: السير، (مخ)، ج1، ورقة 77.

١٣١ / ١٨١