الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ١٤٨ذلك أنَّ يحيى بن زكرياء الزواغي ــ أحد شيوخ الإبَاضِيَة ــ وجد يوسف بن موسى مصارمين يقرأ "كتاب الأشراف على مسائل الخلاف" فأخبر المشايخ بما رآه، فبعثوا إليه بالخطَّة والهجران فأسرع إليهم وتاب.(1)
وسنصادف أمثلة كثيرة من تحديرات العزَّابَة للناس من مطالعة كتب أهل الخلاف، بل إنَّ من يطَّلع على كتاب من هذه الكتب يعاقب. وقد سبق الذكر في الفصل الأوَّل(2) أنَّ الإمام الرُّسْتُمِي يعقوب بن أفلح حذَّر أهل وارجلان من اتباع ابنه سليمان لأنَّه كان يقرأ كتب أهل الخلاف. ومعنى هذا أنَّ الإبَاضِيَة يقتصرون في حلقاتهم على كتب ألَّفها إخوانهم. ونقصد بهذه الكتب المؤلَّفات الفقهيَّة، أمَّا غيرها من كتب العلوم والأدب فلا تمنع.
وبعد حديثنا عن أوقات الدراسة ونظامها نشير إلى أنَّ فترات الراحة لها هي الأخرى أوقات وآداب. ويمكن أنْ نلخِّص الأوقات التي يستريح فيها التلاميذ والطلبة كالآتي: آخر النهار، وقت الأكل، من الضحى إلى الظهر، بعد صلاة العشاء، إلى جانب عطلات المواسم والأعياد، وفي أوقات الراحة هذه لا يحِقُّ للتلميذ أو الطالب أنْ يقضيَها في الأماكن المشبوهة أو الأماكن العامَّة، بل يجب أنْ يقضِّيها في الأماكن غير الآهلة كالجنان مثلاً. يقول الدرجيني: «وقت الراحة والتصرُّف هو آخر النهار يتصرَّف إلى المواضع التي لا ينكر التصرف فيها كمواضع المياه، ومواضع الأشجار، وأمثالها من الأماكن التي تنفرج فيها النفوس وتنفسح فيها الصدور، فإنَّ في ذلك إجماعاً للخواطر وجلاء للنواظر فلا بأس في ذلك مالم تكن هذه الأماكن معروفة بأنْ يستقرَّ فيها مصادف الشبُهات كالنساء … والإكثار من التصرف في الطرقات والأسواق يكره».(3)
والإبَاضِيَة لا يستحبَّون مخالطة التلاميذ الصغار للكبار في الأسواق خوفاً عليهم. ويرى البرادي أنَّ الكبير أعذر في مخالطتهم من الصغير لأنَّ الكبير يمكن أنْ يهديهم. أمَّا الصغير فهو أهل لأنْ يضلُّوه. ومن أكثر من ذلك فإنَّه يعاقب.(4)
2) - طريقة الامتحانات في نظام الحلقة:
من خلال هذا العرض يمكن أنْ نتعرَّف على طريقة الامتحانات وعددها رغم أنَّ المصادر الإبَاضِيَة لا تتحدَّث عنها.
يبلغ عدد الامتحانات التي يقوم بها التلاميذ ثمانية امتحانات. فالعريف على طلبة القرآن يقوم باختبار التلاميذ ثلاث مرَّات في اليوم، حيث يمتحنهم مع بداية الدرس كلّ يوم فيما أخذوه في الدرس السابق؛ كما يمتحنهم أثناء الوجبتين الإضافيتين: عند الضحى، وبعد العصر. وقد سبق الذكر أنّ كلّ تلميذ يخطئ في الإجابة يُحرم من الوجبة، كما يقوم شيخ العزَّابة بامتحان الطلبة أثناء ختمة الغداء وختمة المساء. وإن كنَّا قد ذكرنا سابقا أنّ الشيخ يردُّ على تساؤلات الطلبة، إلاَّ أنَّه في نفس الوقت يختبر
(1) - الوسياني: السير، (مخ)، ج1، ورقة 123 - 124.
(2) - انظر، ص47.
(3) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص181 - 182.
(4) - البرادي: الجواهر، ص217.