الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ١٥٠كما أنّ المشرفين على التعليم - أي العرفاء - كانوا ينالون جزءاً من المال كأجر لهم حتَّى يستمرُّوا في أداء عملهم. ويورد الشماخي فتوى لأبي عبد الله محمَّد بن بكر تدعو بضرورة تقديم الأجرة على تعليم القرآن حتَّى لا يكون ذلك "ذريعة إلى ترك التعليم، فينفض إلى تمام الجهل، وتصير الناس أمِيين".(1)
2 - الحياة الثقافيَّة في وارجلان وسدراتة:
عرفت مدينة وارجلان وسدراتة حركة ثقافيَّة نشطة، إلى جانب ازدهارهما الاقتصادي باعتبارهما مراكز تجاريَّة هامَّة في بلاد المغرب. وقد أفضى بُعدهما وانعزالهما عن المدن المغربيَّة الأخرى إلى توفُّر الأمن والاستقرار ممَّا ساعد على اتساعهما وازدياد قوَّة أهلهما، وكثرة الوافدين عليهما، ممَّن يرغبون في الثراء بالتجارة مع بلاد السودان. وممَّا يدلُّ على قوَّة سكَّان المدينتين أنَّهم عرضوا الإمامة على يعقوب بن أفلح بإقامة دولة جديدة تحلُّ محلَّ … الدولة الرُّسْتُمِيَّة.
وإذا كنَّا لا نعرف الكثير عن الحياة الثقافيَّة في وارجلان في عهد الدولة الرُّسْتُمِيَّة، فذلك يعود إلى أنَّ انطلاق الحركة العلميَّة في هذه المدينة الصحراويَّة كان مع قدوم الإبَاضِيَة إليها فارِّين من تاهرت. فأصبحت هي البديل لتاهرت، وقدم إليها العلماء من مختلف الأمصار خاصَّة بعد المضايقات التي تعرَّض لها إبَاضِيَة إفريقية وطرابلس، وجبل نفوسة. ومن العلماء الذين كان لهم دور فعَّال في إثراء الحركة الثقافيَّة في وارجلان الشيخ أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن سهلون السدراتي المعروف بِ"الطرفي" والملقَّب بِ "شيخ الرأي الناصح". تصنِّفه المصادر الإبَاضِيَة ضمن الطبقة السادسة، أي من علماء القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي). أخذ أبو يوسف العلم عن الأيمَّة الرستميين في تاهرت. ولمَّا علت منزلته ومكانته العلميَّة تولَّى القضاء في وارجلان. يصفه الدرجيني قائلاً: «ذكر أنَّه في مدَّة قضائه كان يقضي بين الناس وهو يعمل أشغال داره، لا يلهيه شيء عن شيء. وذلك لذكائه وقلَّة كبره، وكان منتهى الفتيا بوارجلان».(2) كما كان "غزير الحفظ، متقنًا لِمَا حفظ".(3)
كوَّن هذا العالم الفقيه حلقة علميَّة في أحد مساجد وارجلان. فكان إلى جانب تولِّيه القضاء يقوم بتعليم التلاميذ، ويلقي دروس الوعظ في مساجد المدينة. وأثمرت حلقته تخرُّج العديد من العلماء نذكر منهم: أبا صالح جنّون بن يمريّان الذي تولَّى أمور وارجلان بعد وفاة أبي يوسف. وأصبح شيخها الكبير، وإليه ترجع الأمور. كما كانت له حلقة علميَّة في أحد مساجد وارجلان تعرف باسمه، يؤمُّها كلّ متعطّش للعلم والمعرفة. فالدرجيني يصف هذه الحلقة قائلاً: «كانت جماعة أهل وارجلان تجتمع عند الشيخ جنّون. فمنهم المستفيد منه علمًا، ومنهم المتبرّك بمشهادته، والمشارك فيما