الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ١٥١

يعرض من أمور دنياه ودينه، والمقتنى خلقًا يتحلَّى به، والمستزيد من معرفة سبب السير. فكلُّهم منقلب … بخير وفضل».(1)

كما اشتهر يعقوب بن أفلح الرُّسْتُمِيُّ الفار من تاهرت بالعلم. وتقول المصادر إنَّه كان عالمًا بالتنجيم. وقد سئل هذا الإمام عمَّا إذا كان يحفظ القرآن فأجاب قائلاً: «أستعيذ بالله من أنْ ينزل على موسى وعيسى عليهما السلام مالم أحفظ وأعرف معناه، فكيف بالكتاب المنزَّل على نبيِّنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم -».(2)

كما نبغ بعده ابنه سليمان في العلوم، إلاَّ أنَّ اطلاعه على كتب أهل الخلاف، وإفتاءه بمسائل خالف فيها المذهب الإبَاضِي جعلت شيوخ وارجلان يعارضونه، ويحرِمونه من المساهمة في الحركة العلميَّة بإثارة الناس على أفكاره.(3)

ويبرز علماء آخرون مثل أبي نوح سعيد بن زنغيل الذي تزعَّم الثورة ضدَّ الفاطميِّين رفقة زميله أبي خزر يغلى بن زلتاف الذي رافق الخليفة المعز الى مصر. فلمَّا تمارض أبو نوح لكي لا يصاحب المعزَّ في رحلته إلى القاهرة انتقل إلى وارجلان حيث لقي ترحيبًا كبيرًا خصَّه به العالم أبو صالح جنّون بن يمريَّان، وأجرى عليه الأرزاق، وأمدَّه بالأموال التي يحتاج إليها، بل إنَّ أبا صالح عرض عليه نصف ما يملك. يقول الدرجيني: «لمَّا وصل وارجلان أنزله الشيخ وجماعة أهل وارجلان، وأحسنوا نزوله، وتجاوزوا الحدَّ في الإعظام، وأكرموا مثواه غاية الإكرام … ذكر لنا (أي أبو صالح) ملأ له بيته إلى السقف تمرًا … وأجرى له كلّ يوم مائدة، وأخرى عشيَّة».(4) وقد أمضى أبو نوح مدَّة في وارجلان، قضاها في التدريس وتنظيم الحلقات العلميَّة في مسجد أبي صالح جنّون، ثمَّ رغب في العودة إلى الحامَّة بإفريقيَّة. ورغم محاولات الشيخ أبي صالح ليبقى في وارجلان إلاَّ أنَّه غادرها عائدًا إلى موطنه. ولمَّا عاد إليها ثانية بعد موت أبي صالح وجد الفساد قد كثر فيها، وتردَّت أحوالها. فعاب على أهلها عدَّة أشياء منها انتشار نكاح السر، وكثرة اللصوص من العبيد الذين كانوا يستولون على أموال الناس. إلى جانب تفشِّي الخلافات المذهبيَّة بين مختلف الفرق. ورغم محاولة أبي نوح إصلاح الأمور إلاَّ أنَّه لم يستطع تغيير تلك المناكر فرحل عنها نهائيًّا.(5)

ويبدو أنَّ أبا صالح جنّون بن يمريان كان له الفضل الكبير في ازدهار الحركة العلميَّة في وارجلان نظراً للجوِّ الذي وفَّره للعلماء حيث كانوا يقيمون عنده، وينفق عليهم. كما ينفق على التلاميذ والطلبة. وبوفاته تدهورت الحركة العلميَّة، وظلَّت

(1) - المصدر السابق، ج1، ص144 - 145.

(2) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص105.

(3) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج1، ص126.

(4) - المصدر السابق، ج1، ص144 - 145.

(5) - الشماخي: السير، ص360 - 361.

HADY ROGER Idris: La bérbérie orientale، p 748.

١٤٦ / ١٨١