الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ١٥٢

الحياة الثقافيَّة راكدة، إلى أنْ قدم أبو عبد الله محمَّد بن بكر فانبعثت من جديد. ذلك أنَّ هدف أبي عبد الله هو إعادة بناء الحركة العلميَّة وتنظيمها تنظيمًا دقيقًا. ولعلَّ أهمَّ إنجاز ثقافيٍّ في هذه المرحلة هو وضع نظام للحلقة. هذا النظام الذي دفع الحركة العلميَّة دفعة كبيرة. فكانت الحلقة العلميَّة التي نظَّمها في "تين يسلي" اللبنة الأولى للنظام التعليمي. فقد كثرت حلقات التدريس في مختلف مواطن الإبَاضِيَة. فبلدة "تجديت" ــ إحدى قرى أريغ ــ وحدها «اجتمع فيها من أهل العلم والأدب والفضل والعبادة والسيادة مالم يجتمع في غيرها من بلاد أهل المذهب في ذلك الزمان، حتَّى عدّوا في الحلقة من الطلبة ثمانين توأماً، ومائتي طالب يحفظون مائتي كتاب، وغيرهم من الطلبة مالا يعدُّ بكثرة. وفيها مائة عالم لا يردُّ أحدهم مسألة إلى الآخر إلاَّ من جهة الأدب، ويحضر الصلاة ثلاثمائة فارس. ولكثرة الناس طالما نفرت الدواب من مرابضها إذا كبَّروا تكبيرة الإحرام».(1)

وكان أبو عبد الله يتنقَّل في البادية يدعو للمذهب الإبَاضِي ويوزّع تلاميذه على أحياء الإبَاضِيَة للقيام بالتعليم والإرشاد والوعظ. وكان يشجِّع تلاميذه على دراسة الكتب وتأليفها. وقد أثمرت حلقات أبي عبد الله العلميَّة، فظهر عدد من العلماء تولَّوا الرئاسة بعده منهم "أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي" صاحب "كتاب السير" المعروف.(2)

وقد تعلَّم عن أبي عبد الله ثمَّ انتقل إلى جزيرة جربة. وفيها واصل تعليمه في حلقة أبي محمَّد ويسلان بن أبي صالح وزكريَّا ويونس. وما لبث أنْ كوَّن حلقة علَّم فيها الطلبة أصول الدين. وشرع في تأليف الكتب خاصَّة كتب العقائد الخاصَّة بالمذهب الإبَاضِي. نذكر منها كتابه المسمَّى "التحف المخزونة والجواهر المصونة" ويتألَّف من جزأين.(3)

كما كان لأبي العبَّاس محمَّد بن بكر (ت 504هـ) (1110م) دور فعَّال في إثراء الحياة الثقافيَّة. فقد ترك هذا الأخير عدَّة مؤلَّفات سنذكرها في حديثا عن حركة التأليف. وقد بلغت تآليفه حوالي خمسة وعشرين كتاباً. يقول عنه الشماخي: «صنَّف في آخر عمره تصنيفًا في خمسة وعشرين جزءًا، وكتاباً تركه في الألواح".(4)

وكان أبو العبَّاس شغوفًا بالعلم، لذلك تنقَّل بين المدن الإبَاضِيَة للتزوُّد بالعلم. فقد سافر إلى جبل نفوسة للإطلاَّع على مكتبة القصر في قرية "ولم"، وأقام بها مدَّة أربعة أشهرٍ، قضاها كلَّها في الاطلاَّع على الكتب التي انتقاها من هذه المكتبة

(1) - الباروني: رسالة سلَّم العامَّة، ص24.

(2) - هو أحد علماء الإبَاضِيَة البارزين، تصفه المصادر الإبَاضِيَة بأنَّه كان غاية في العلوم. ألَّف عدداً كبيراً من الكتب مثل: كتاب "المتحف في الأصول"، وكتاب "السير". توفِّي سنة 471هـ (1078م). وانظر الشماخي: السير، ص412 - 1 - 414.

(3) - عمرو خليفة الناس: ملامح عن الحركة العلميَّة بوارجلان ونواحيها منذ انتهاء الدولة الرُّسْتُمِيَّة حتَّى أواخر القرن السادس الهجري، مجلَّة الأصالة، عدد42 - 43، سنة1977، ص22 - 23.

(4) - السير، ص423.

١٤٧ / ١٨١