الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

الضخمة التي تضم أكثر من ثلاثة وثلاثين ألف كتاب.(1)

ومن بين العلماء الذين أثروا الحركة الثقافيَّة أبو صالح الياجراني فقد اشتهر بعلمه الغزير، وشدَّة تعبُّده. وكان ينتقل في كلّ ليلة في جميع مساجد وارجلان، يطوف عليها مسجدًا بعد مسجد. فكلَّما دخل مسجدًا صلَّى فيه. كما كان هذا الشيخ من الملازمين لحلقة أبي عبد الله، ولم يغادرها إلاَّ بعد وقوع فتن في وارجلان أجبرته على الخروج منها وانتقل إلى ناحية "أدرج"، والتي كانت تضمُّ حوالي ثلاثمائة تلميذ يقرؤون العلوم وسير أهل الخير والصلاح.(2)

أمَّا تيبغورين بن عيسى الملشوطي(3) فكان من أعظم الناس علمًا وعملاً، ساهم هو الآخر في إثراء الحياة الثقافيَّة بمؤلِّفاته العديدة في العقيدة. وكان أبو محمَّد ماكسن بن الخير كذلك من العلماء المشهورين. ولد في تونس، وأصيب في صغره فكفَّ بصره. ورغم ذلك تعلَّم وحفظ القرآن ثمَّ انتقل إلى جزيرة جربة، والتحق بحلقة أبي محمَّد ويسلان. وظلَّ يدرس فيها ردحًا من الزمن رفقة صديقه أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي الذي كان يقرأ له الكتب، ويساعده في حلِّ المسائل. ولم يمكث "ماكسن" مدَّة طويلة في إفريقيَّة حيث انتقل إلى وارجلان واستقرَّ فيها، وأصبح حجَّة في العلوم الفقهيَّة، وإليه ترجع أمور الفتوى.(4)

أمَّا الشيخ أبو سامان داود بن أبي يوسف فكانت له حلقة، التحق بها الطلاَّب من مختلف الجهات. وساهمت هي الأخرى في تكوين عدَّة علماء. كما ساهمت حلقة أبي اسماعيل أيُّوب بن اسماعيل في الحركة العلميَّة، وكان ينفق على تلاميذه من ماله الخاص.(5)

وبعد هذا العرض المقتضب للحركة الثقافيَّة يتبيَّن أنَّ وارجلان حظيت أكثر من غيرها من مواطن الإبَاضِيَة بهذا الازدهار الثقافي، ولا يعني هذا أنَّ مواطن الإبَاضِيَة الأخرى قد خلت من النشاط الثقافي، بل إنَّ آثار الحركة الثقافيَّة بلغت السودان. ذلك أنَّ الجاليات الإبَاضِيَة الكبيرة الموجودة في السودان لعبت هي الأخرى دورًا لا يستهان به في نشر المذهب الإبَاضِيَة هناك.

وقد ساعد على ازدهار الحركة الثقافيَّة كثرةُ تنقل العلماء بين مواطن الإبَاضِيَة. وقد لاحظنا ذلك خلال حديثنا عن علماء وارجلان. وتشير المصادر إلى الكثير من هذه الزيارات فالدرجيني مثلاً يخبرنا عن قدوم أبي اسماعيل البصير بن ملال المزاتي ــ أحد علماء الإبَاضِيَة من الطبقة التاسعة (400 - 450هـ) (1009 - 1058م)

(1) - نفسه، ص414.

(2) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج1، ص310. الدرجيني: الطبقات، ج2، ص372 - 373.

(3) - هو أحد علماء الإبَاضِيَة في مدينة "ملشوطة". أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي. ألَّف العديد من الكتب خاصَّة في العقائد. كان معاصرًا لأبي العبَّاس ابن بكر. انظر الشماخي: السير، 432.

(4) - الشماخي: نفس المصدر، ص414. … علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، ح4، ص193.

(5) - النامي: ملامح، ص26.

١٤٨ / ١٨١