الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ١٥٤ــ إلى أريغ مروراً بكدية "بني غمرت" و"تميرينت"، وكلُّها مناطق يسكنها الإبَاضِيَة قرب وارجلان.(1)
كما يذكر أنَّ ثلاثة من فقهاء جربة هم: أبو صالح بكر بن قاسم، وأبو موسى عيسى بن السمح، وأبو زكرياء فصيل بن أبي مسور قاموا بزيارة لإبَاضِيَة وادي أريغ، ووارجلان.(2)
ولمَّا انتقل الإبَاضِيَة إلى وادي ميزاب نقلوا معالم حضارتهم إلى تلك الربوع من علوم وفنون وآداب. وظلَّت الحلقات العلميَّة والدينيَّة باقية إلى يومنا هذا. وقد استفادت هذه المنطقة من الوفود الكثيرة التي قدمت من جبل نفوسة وجربة وسدراتة ونفطة والحامة ووارجلان.
واهتمَّ الإبَاضِيَة بتأليف الكتب منذ القدم، أيَّام كانوا في المشرق. فقد الَّف جابر بن زيد الأزدي العماني كتابه المعروف بِ"ديوان جابر بن زيد"، أو "جوابات جابر بن زيد". ويعتبر هذا الكتاب المرجع الأوَّل للأحكام الفقهيَّة عند الإبَاضِيَة. كما ألَّف خليفته في رئاسة المذهب أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة كتابًا في أحكام الزكاة، وهو عبارة عن أجوبة لأسئلة تلقَّاها من الإبَاضِيَة. كما جمع الربيع بن حبيب(3) كتابًا في الحديث من عدَّة أجزاء يعرفُ بِ"مسند الربيع بن حبيب" أو "الجامع الصحيح للربيع بن حبيب".
ولمَّا انتقل المذهب الإبَاضِي إلى بلاد المغرب، وانتشر بين سكانه انتشارًا سريعًا، ظلَّ أتباعه يرجعون إلى الأصول الفقهيَّة المشرقيَّة، لأنَّه لم يكن في بلاد المغرب في ذلك الوقت - أي في النصف الأوَّل من القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) - علماءُ لهم القدرة والكفاءة العلميَّة على الكتابة، لأنَّ المذهب كان مازال فتيًّا في المنطقة، ولم يتعمَّق فيه الأتباع تعمُّقًا كبيرًا لاشتغالهم بالعمل على تأسيس دولة لهم تحفظهم وتجمع شتاتهم. ورغم كلّ هذا أرسلت البعثات العلميَّة إلى مركز المذهب في البصرة لتدرس هناك عند علماء الإبَاضِيَة. وتمكَّن الإبَاضِيَة فعلاً من تحقيق هدفهم إذ بمجرَّد عودة هذه البعثات أقبل الكثيرون من البربر على المذهب الإبَاضِي، وانتشر بصورة مذهلة.
ولمَّا قامت الدولة الرُّسْتُمِيَّة، وانتقل الإبَاضِيَة من إمامة الكتمان إلى إمامة الظهور أصبحت الحاجة ملحَّة للنهوض بالحياة الثقافيَّة إذ أنَّ الإمام نفسه يجب أنْ يكون عالمًا لأنَّ من شروط الإمامة العلم. يقول ابن خلدون: «أما اشتراط العلم فظاهر، لأنَّه إنَّما يكون منفذًا لأحكام الله تعالى، إذا كان عالمًا بها. ومالم يعلمها لا يصحّ تقديمه لها. ولا يكفي من العلم إلاَّ أنْ يكون مجتهداً لأنَّ التقليد نقص، والإمامة
(1) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص412.
(2) - نفس المصدر والجزء، ص342.
(3) - هو أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي، من فراهيد من غضفان، انتقل إلى البصرة ولا يعرف تاريخ مولده أو وفاته، إلاَّ أنَّه كان معاصرًا لجابر بن زيد (ت93هـ). كان والده حبيب بن عمرو أحد تلامذة جابر وأبو عبيدة مسلم. والربيع هو الذي تولَّى الحكم في الخلاف الذي نشب بين الامام الرُّسْتُمِي عبد الوهَّاب ومخالفيه. انظر الحارثي: العقود الفضِّية في أصول الإبَاضِيَة، دار اليقظة العربيَّة، سوريا (د. ت)، ص149 - 154.