الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ١٥٥تستدعي الكمال في الأوصاف والأحوال».(1)
واستطاع بنو رستم في فترة وجيزة أنْ يحوِّلوا عاصمتهم إلى عاصمة فكريَّة نافست العواصم الثقافيَّة المغربيَّة الأخرى كالقيروان وفاس. وخير وصف لهذه الحركة في تاهرت ما قاله الباروني: «بلغت هذه الأئمَّة بمدينة تاهرت من العلم والأدب والفضل والعدل المقام السامي، حتَّى قال البعض منهم: «معاذ الله أنْ تكون عندنا أمَةٌ لا تعرف القمر في أي منزلة هو في كلّ ليلة».(2)
وقد اهتمَّ الأيمَّة أنفسهم بدراسة الكتب العلميَّة. وقد روى أنَّ الإمام عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم وردت عليه خزانة من الكتب من بلاد المشرق لمطالعتها. كما كان ابنه أفلح قبل تولِّيه الإمامة يقوم بتعليم فنون العلم. وقد ألَّف في الفقه كتبًا تعرف بجوابات الإمام أفلح.(3) كما ألَّف عبد الرحمن بن رستم تفسيرًا للقرآن.(4)
ونتيجة لاهتمام الأيمَّة بالعلم، كثر العلماء واشتهر العديد منهم أمثال: أبو مرداس مهاصر التبرستي، وأبو المنيب محمَّد بن يانس الدَّركلي، وأبو الحسن الأبدلاني(5) وغيرهم كثير.(6)
وقد اشتهرت تاهرت بمكتبتها الضخمة المعروفة بالمكتبة "المعصومة" التي أحرقها أبو عبد الله الشيعي ــ كما تقول المصادر الإبَاضِيَة ــ بعد أنْ انتقى منها كتب العلم والحساب. وإذا كانت هذه الرواية غير مؤكَّدة تاريخيًّا فإنَّ المؤرخين المحدثين يرون أنَّ المكتبة لم تحرق، وأنَّ بقيَّة الأمَّة الرُّسْتُمِيَّة الذين فرُّوا إلى وارجلان أخذوا شيئًا غير قليل منها. غيرأنَّ بعضها يحتمل أنَّه ضاع في الطريق لانشغالهم بالدفاع عن أنفسهم وتأمين حياتهم.(7)
ومهما يكن من شيء فإنَّ الإبَاضِيَة في هذه الفترة قد أثْروا الحياة الثقافيَّة في بلاد المغرب. وبعد سقوط الدولة الرُّسْتُمِيَّة استمرَّت الحركة الثقافيَّة، بل ازدادت حركة التأليف. إذ أنَّ انتقال الإبَاضِيَة من جديد من إمامة الظهور إلى إمامة الكتمان، جعلهم يهتمُّون بتدوين وتأليف الكتب الفقهيَّة، حفاظَا على استمرار مذهبهم وتراثهم الثقافي بصفة عامَّة. ولذلك نجد الكتب الفقهيَّة التي ألِّفت في هذه الفترة أي الفترة التي تلت سقوط الدولة الرُّسْتُمِيَّة تعدُّ بالآلاف.
(1) - المقدِّمة، ص342.
(2) - رسالة سلَّم العامَّة، ص15.
(3) - لا زالت هذه الكتب مخطوطة، وتوجد نسخٌ منها في مكتبة الحاج يوسف الباروني الخاصة في جزيرة جربة بالجمهوريَّة التونسيَّة.
(4) - الشماخي: السير، ص438.
(5) - لا تعطينا المصادر الإبَاضِيَة تفاصيل عن هؤلاء العلماء. وتكتفي فقط بالإشارة إليهم على أنَّهم كانوا من العلماء الذين كان لهم الفضل الكبير في الحياة الثقافيَّة.
(6) - الباروني: رسالة سلم العامَّة، ص16 - 18.
(7) - موسى لقبال: من قضايا التاريخ الرُّسْتُمِي (مكتبة المعصومة بتاهرت هل أحرقت أو نقلت عيونها إلى سدراتة)، مجلَّة الأصالة، عدد41، سنة 1977، ص59.