الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ١٥٧وحثُّوا التلاميذ والطلبة على دراستها. وقد قال عن بعضها الشيخ أبو عبد الله محمَّد بن بكر: «من يدرس كتب اللقط كمن يهيل أنواع التمر إلى غرارته، وإنَّ كتاب أبي غانم قد أوضح قول كلّ عالم من مشايخه».(1)
وإلى جانب نشاط الإبَاضِيَة في التأليف كانوا يقتنون الكتب النفيسة من المدن المغربيَّة الأخرى أو من المشرق. فالشماخي يذكر أنَّ عبد الله بن محمَّد بن ناصر بن ميَّال بن يوسف ــ أحد شيوخ الإبَاضِيَة ــ سافر إلى قلعة بني حمَّاد بمجرَّد أنْ علم بأنَّ تفسير القرآن ألَّفه عبد الرحمن بن رستم ينادى به في سوق القلعة. ولمَّا وصل إليها وجد أنَّ الكتاب قد بيع، فاقتنى مجموعة أخرى من الكتب وأرسلها مع قافلة كانت متوجِّهة إلى وارجلان، إلاَّ أنَّ الكتب ضاعت ضمن بضائع القافلة التي استولى عليها قطَّاع الطرق. ولمَّا علم بذلك مدَّ إقامته في القلعة واشترى كتبًا أخرى، ونسخ عددًا آخر.(2) كما كان علماء الإبَاضِيَة ينسخون الكتب في الغيران. فالوسياني يذكر أنَّ شيخين هما: محمَّد ابن سليمان النفوسي ومحمد بن عمر البرنوتي كانا ينسخان الكتب في غيران "بني أجَّاج".(3)
أمَّا لغة التدوين عند الإبَاضِيَة في القرن الرابع والخامس الهجري (العاشر والحادي عشر الميلادي) فكانت اللغة العربيَّة. كما كتبت بعض الكتب بلغة البربر أحيانًا. وهذا يرجع إلى عدم تمكُّن البربر من اللغة العربيَّة. فأبو سهل الفارسي كان يجيد لغة البربر. لذلك اختاره الإمام أفلح بن عبد الوهَّاب … ــ ثالث إمام في الدولة الرُّسْتُمِيَّة ــ مترجمًا له، بل نجد من كان يحسن اللغتين. ورغم ذلك يكتب لأخوانه الإبَاضِيَة كتبًا فيها مواعظ بلغة البربر حتَّى يسهِّل لهم الأمر في التعلُّم. يذكر الشماخي أنَّ رجلاً من العرب من موالي "لواتة" يسمَّى "سعيد" زار أبا سهل الفارسي بِ"جزائر بني مزغناي"(4) فسأله عن أهل الدعوة ثمَّ دوَّن لهم اثني عشر كتاباً في الوعظ والتذكير والتخويف بلغة البربر.(5)
وتذكر المصادر أنَّ هذه الكتب استولى على بعضها النكار أثناء قيام ثورتهم، والباقي احترق اثناء سقوط قلعة بني درجين.
لم يبق منها إلاَّ ما حفظ في الصدور، فجمِّعت مرَّة أخرى فكانت أربعة وعشرين باباً.(6)
(1) - الدرجيني: الطبقات، ج2، ص389.
(2) - الشماخي: السير، ص438. علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، ح4، ص209 - 210.
(3) - السير، ج2، و43.
(4) - هي إحدى مدن المغرب الأوسط يسمِّيها الحميري "جزائر مزغنا". تقع على البحر، وهي مدينة الجزائر الحالية. يصفها الحميري بأنَّها مدينة جليلة بها أسواق كثيرة ومرساها تقصده السفن من إفريقيَّة والأندلس. تشتهر بكثرة المواشي والبقر وعسل النحل والسمن. … انظر: الروْضُ المعْطَار، ص163.
(5) - السير، ص289.
(6) - الشماخي: نفس المصدر، ص289.
باجية: الإبَاضِيَة بالجريد، ص158 - 159.