الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٢٣ولمَّا دخل أتباع المذهب الإبَاضِي إلى إفريقيَّة، استطاعوا نشره بسرعة مذهلة، رغم هزيمة أبي الخطَّاب وأبى حاتم الملزوزي، اللذيْن تزعَّما الإباضية في إفريقيَّة. وكان من نتائج هزائم الإباضية أنْ فرَّ العديدُ منهم إلى مختلف المناطق البعيدة عن مركز الثورات كتاهرت ووارجلان اللتين أصبحتا من المراكز المهمَّة بعد ذلك.
ويحتمل أنَّ عاصماً السدراتي(1) لمَّا عاد من البصرة إلى المغرب ــ بعد تلقِّيه تعاليم المذهب ــ سافر إلى جنوب المغرب الأوسط لنشر المذهب بين قبائل سدراتة التي ينتسب إليها.
ورغم عدم وجود ما يدلُّ على ذلك في المصادر، إلاَّ أنَّه يبدو أنَّ الإباضية اختاروا الجبال والصحاري مركزاً لدعوتهم خاصَّة في المراكز التجارية الهامَّة. ذلك أنَّ اشتغالهم بالتجارة ساعدهم على نقل مذهبهم إلى الآفاق حتَّى وصل إلى سجلماسة. ومن الطبيعيِّ أنْ يبتعد الإباضية عن الحواضر لنشر مذهبهم، لأنَّه حديث العهد في المنطقة، ومازال يتحسَّس طريقه. وهذه الظَّاهرة معروفة في التاريخ بالنسبة للمذاهب والدعوات الجديدة التي تجد نفسها في محيط غريب فتبدأ بمناطق معزولة، فيلجأ الدعاة إلى التجمُّعات السكَّانية في الجبال والصحاري.
وتذكر بعض المصادر أنَّ كلَّ الأمراء المدراريِّين الذين سبقوا محمَّد بن الفتح بن ميمون الملقَّب بِ"الشاكر للهِ"(2) كانوا على رأي الإباضية والصفرية.(3) ولكنَّنا نستبعد ذلك تماماً لأنَّ بني مدرار كانوا على المذهب الصفري منذ أنْ تأسَّست دولتهم سنة 140هـ (757م). أضف إلى ذلك أنَّ المصادر الإباضية لا تشير إطلاقاً إلى مثل هذا القول. ولكن ليس ببعيد أنْ يكون الإباضية قد وصلوا فعلاً إلى منطقة وارجلان في وقت مبكِّر، ثمَّ زادت أعدادهم تدريجيًّا نتيجة الهجرات. ويبدو أنَّها كانت كبيرة إذ يقول ابن خلدون: «نزل الكثير منهم (أي الخوارج) مابين قصور الزاب وواركلا (أي وارجلان) فاختطُّوا قرى كثيرة في عدوة وادٍ ينحدر من الغرب إلى الشرق. ويشتمل على المصر الكبير والقرية المتوسِّطة … وأكبر هذه الأمصار تسمَّى
(1) - هو أحد علماء الإباضية في بلاد المغرب. كان ضمن البعثة العلمية التي سافرت إلى البصرة لتعلُّم أصول المذهب الإبَاضِي، وشارك في الثورة التي قام بها أبو الخطاب لكنه قُتل مسموماً أثناء حصار القيروان سنة 144هـ (761م).
انظر: الشماخي: السير، ص: 267.
(2) - هو محَمَّد بن الفتح بن ميمون الأمير، تولَّى الحكم بعد تغلُّبه على ابن عمِّه المنتصر سمكو، وأخذ بمذاهب أهل السنَّة ورفض الخارجيَّة. ولمَّا استولى الفاطميُّون على سجلماسة سنة 347هـ (958م) فرَّ إلى حصن تاسكرات على أميال من سجلماسة.
انظر … ابن خلدون: كتاب العبر، مج 11، ص: 270.
(3) - ابن خلدون: نفس المصدر، والجزء، ص269 - 270. والقلقشندي: صبح الأعشى، ج5، ص 167.