الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٢٤

"تُوقُّرْتْ"(1).

وفي أهل تلك الأمصار من مذاهب الخوارج وفرقهم كثير. وأكثرهم على دين العزَّابة (أي الإباضية)»(2).

وعلى الرغم من أنَّ ابن خلدون أمدَّنا بمعلومات وفيرة عن البربر إلاَّ أنَّه تجاهل الإباضية تماماً. فلم يتحدَّث عن تأسيس "سدراتة" بل تعرَّض للدولة الرُّستُمِيَّة في فترات متقطِّعة وكأنَّه لم يكن لهم أيُّ دور في تاريخ المغرب. وإذا كان قد تجاهل الحديث عن تأسيس "سدراتة" فإنَّه أمدَّنا بمعلومات عن تأسيس مدينة "وارجلان" حين قال: «بنو وَارْكْلاَ هؤلاء إحدى بطون زناتة من ولد فَرِينِي بن جَانَا، وأنَّ إخوانهم يَزْمَرْتَنَ ومَنْجَصَة ونَمَالْتَه المعروفين لهذا العهد، منهم بنو واركلا. وكانت فئتهم قليلة. وكانت مواطنهم قبلة الزاب، واختطُّوا المصر المعروف بهم لهذا العهد على ثماني مراحل من بسكرة(3) … بنوها قصوراً متقاربة الخطَّة ثمَّ استبحر عمرانها فائتلفت وصارت مصرا».(4)

وإذا كان ابن خلدون قد تحدَّث عن تأسيس وارجلان، فإنَّنا لا نعرف إلاَّ الشيء القليل عن مدينة سدراتة القريبة منها. إذ تصعب التفرقة بين اسم المدينة واسم القبيلة. بمعنى: هل يقصد بتسمية شخص ما بِ"السَّدْرَاتي" نسبة للقبيلة أم للمدينة؟ والأرجح أن تكون النسبة للقبيلة.

ففيما يخصُّ القبيلة يذكر البكري (ت 487هـ) أنَّ قبيلة سدراتة كانت تستوطن مدينة "بسكرة" رفقة بني مَغْرَاوَة.(5) وقد أخطأ "رشيد بورويبة" حين ذكر أنَّ أوَّل إشارة لمدينة سدراتة وردت في كتاب السير للشمَّاخي (ت 928هـ / 1522م) عند حديثه عن عاصم السَّدراتي الذي ذكرناه سابقاً.(6)

والواقع أنَّ أوَّل إشارة إلى هذه المدينة نجدها عند "مقرن البغطوري" … المتوفى في ق6هـ / 12م حينما ذكر أنَّ رجلاً من سدراتة -لم يذكر اسمه - ضيَّع زكاة غنمه مدَّة سنتين فحمل زاده وسافر حتَّى يعرض مسألته(7).

ويبدو أنَّ مدينة سدراتة تنسب إلى القبيلة التي أسَّستها رغم الافتقار إلى الدليل القاطع، إذ نلاحظ اليوم وجود عدَّة قرى تسمَّى بهذا الاسم ممَّا يدلُّ على أنَّ مواضع

(1) - تقع هذه المدينة في الحدود الغربية لبلاد الزاب تشتهر بزراعة النخيل، تبعد عن مدينة وارجلان بحوالي 160كلم. وهي تقع ضمن بلاد أريغ التي ذكرتها المصادر الجغرافيَّة.

(2) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج7، ص: 96 - 100.

(3) - تقع مدينة بسكرة في بلاد الزاب وهي قاعدته. تشتهر بزراعة النخيل فكانت تصدِّر أجود التمور إلى تونس وبجاية، يحدُّها من الغرب مدينة المسيلة التي بناها الفاطميُّون، ومن الشرق بلاد الجريد في إفريقيَّة.

انظر: ابن سعيد: كتاب الجغرافية، ص: 126. البكري: المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، طبعة دي سلان، الجزائر. 1857، ص:52.

(4) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 7، ص: 96 - 100.

(5) - البكري: المصدر السابق، ص: 53.

(6) - رشيد بورويبة: آثار مندثرة، مطبعة رغاية، الجزائر (د، ت) ص: 43.

(7) - مقرن البغطوري: سير مشائخ نفوسة، (مخطوط) ورقة 15.

٢٠ / ١٨١