الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٢٥هذه القرى كانت مواطن لقبيلة سدراتة في الماضي البعيد.
ونعلم أنَّ سدراتة كانت مُوزَّعة في عدَّة مناطق من بلاد المغرب. وقد مرَّ بنا أنَّ البكري أشار إليها في حديثه عن مدينة بسكرة. كما أنَّ ابن خلدون يذكر أنَّ سدراتة اجتمعت على "إدريس"(1) بالمغرب الأقصى مثلها مثل قبائل زواغة ولوَّاتة وغياثة ونفزة(2).
ورغم ضياع العديد من المصادر الإباضية المهمَّة، إلاَّ أنَّ أغلب المؤرِّخين يرجِّحون تأسيس مدينة سدراتة إلى ما بعد سقوط الدولة الرُّستُمِيَّة أي: … (296هـ -909م)، حيث نجد كلاًّ من السيد عبد العزيز سالم، وعبد الرحمن الجيلالي، ورشيد بورويبة وغيرهم، يرجِّحون تأسيس سدراتة إلى القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي(3).
في حين يرى الإباضية أنَّ تأسيس المدينة كان في القرن الأوَّل الهجري وأنَّها كانت عامرة بالإباضية وحدهم ابتداء من سنة (101هـ - 720م)(4). وتضيف "مارغريت فان برشم" Marguerite Van Berchem أنَّه من الخطأ أنْ نعتقد أنَّ الإباضية لمَّا فرُّوا من تاهرت اتَّجهوا إلى منطقة وارجلان لبناء مدينة جديدة. ويحتمل جدًّا أنَّ الإباضية لم يجدوا منطقة سدراتة صحراء، بل وجدوها مدينة يعود تاريخها إلى زمن بعيد. وقد نهض بها النازحون الجدد بفضل خبرتهم في مختلف الفنون التي اشتهرت بها الدولة الرُّستُمِيَّة.(5)
ونميل إلى ترجيح الرأي الأخير، خاصَّة إذا علمنا أنَّ عاصماً السدراتي شارك بعدد كبير من السدراتيين في حصار القيروان، وأنَّ القيروانيين انتقموا منه بتقديم قثَّاء مسمومة له فأكلها.(6) وهناك من يُرجِّع تاريخ وُجُود مدينة "سدراتة" إلى سنة 42هـ (662م)(7).
(1) - هو إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الذي فرَّ إلى بلاد المغرب بعد مقتل الحسن بن علي بن الحسن المثلث بمكَّة سنة 169هـ (787م) وفي المغرب الأقصى اجتمعت إليه قبائل البربر فأسَّس دولة الأدارسة.
انظر: القلقشندي: صبح الأعشى، ج5 ص: 180.
(2) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج5، ص: 24.
(3) - السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير، ج 2، دار النهضة العربيَّة، بيروت. 1981، ص: 581. عبد الرحمان الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، دار الثقافة، ط4، بيروت 1980، ص: 186.
==
Rachid Bourouiba: cités disparues،complexe graphique de Reghaïa،Alger،P 49.
M.H. Dweyrier: Isedraten et le schisme Ibadite، revue d’ethnographie، T2، 1883، p 203.
(4) - إبراهيم صالح أعزَام: غصن البان في تاريخ وارجلان (مخطوط) ورقة 32.
(5) - Marguerite Van Berchem: Sedrata Une ville au moyen âge ensevelie dans les sables du sahara Algerien، documents Algeriens، N°11،1953،P5.
(6) - الشماخي: السير، ص: 141.
(7) - يرى "جون لوتيو" في كتابه "صحراء ورقلة" أنَّ بناء مدينة سدراتة يرجع إلى أربعينيات القرن الأوَّل الهجري، معتمداً في ذلك على وثائق ليست معروفة ولأوَّل مرَّة يُعتمد عليها. وترجع أهمِّية هذه الوثائق أنَّ مؤلِّفيها وأوَّلهم سليمان بن ابراهيم بن بانوح ولد في سدراتة سنة 293هـ (905م) وتوفي في وارجلان سنة 407هـ (1006م). =فقد كتب هذا الأخير في خمسة مجلَّدات تاريخاً دقيقًا للإبَاضِيَة تحت عنوان: "كتاب البراهمي في سلوك المذهب الإبَاضِي". وثانيهم هو أبو يعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني الذي ألَّف كتاباً من ثلاثة أجزاء عنوانه: "فتوح المغرب الأقصى"، خصَّص أغلبه للحديث عن الإبَاضِيَة. أمَّا المؤرِّخ الثالث فهو باستشري بكر بن هود بن صالح بن قاسم بن عيسى الذي ألَّف كتابه سنة 656هـ (1257م) الذي يذكر بأنَّه عثر على عدَّة مخطوطات في مسجد "هود" بسدراتة من بينها كتاب في التاريخ ألَّفه تيمور بن اسحاق بن يعقوب. فهذه المصادر تذكر أنَّ عدداً لا بأس به من المسلمين كانوا مقيمين في طرابلس سنة 23هـ وتوَّغَّلوا في حبل نفوسة ثمَّ قاموا سنة 27هـ بملاحقة فرق باتريس البيزنطي (قريقوار) في ضواحي سبيطلة، وقاموا بغارات متعدِّدة. وحسب باستشري فإنَّ سبعة من المسلمين استقرُّوا في جبل نفوسة ثمَّ اتَّجه اثنان منهم إلى وادي ميَّة. ولا يعرف هل وصلا إلى الوادي كزوَّارٍ فقط؟ أم كانت نيَّتهم الاستقرار خاصَّة وأنَّ المنطقة معروفة بنشاطها التجاري. ومهما يكن من أمر فعن طريق القوافل القادمة من زنجبار والسودان وصل في 7 رجب 39هـ (658م) عبد الرزَّاق بن عبدان بن عبد الحق المولود بحضرموت، وأسَّس مدينة أطلق عليها اسم تيميمون. وفي سنة 41هـ و 42هـ (661 - 662م) وصلت جماعات أخرى إلى وادي مية. قاد إحداها أبو حفص عمروس بن فتح الفار من جبل نفوسة نتيجة عدم الاستقرار، فقام هؤلاء الوافدون ببناء مسجد ثمَّ بنيت حوله المساكن. وبذلك ظهرت سدراتة كمدينة للوجود.
للمزيد من التفاصيل انظر:
Jean Lethilleux: Ouargla cité saharienne des origines au debut du XX، Paul Geuthner، Paris 1983، pp 23 - 39.