الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٢٧

ويبدو أنَّ مدينتي وارجلان وسدراتة كانتا مستقلَّتين، وكلُّ ما ربطهما بالدولة الرُّستُمِيَّة من علاقات هو اعترافهما بالتبعية الاسميَّة لها. وكان أبو صالح جنون بن يمريان(1) هو الذي يتولَّى أمورها. وكان كما وصفه الشماخي: والدرجيني: «أحد أقطاب الدين وثمال [كذا] اليتامى والمساكين»(2).

2 - فرار الإبَاضِيَة إلى وارجلان وسدراتة:

عندما استطاع أبو عبد الله الشيعي دخول تاهرت خرج يعقوب بن أفلح بن عبد الوهَّاب مع أهله وجمعٍ غفير من التاهرتيين متَّجهين إلى وارجلان وسدراتة خوفاً من بطش الشيعيِّ. ويبدو أنَّ رفقاء يعقوب كانوا كثيرين حتَّى أنَّه يذكر أنَّه ولد لهم في الطريق في ليلة من الليالي سبعون ذكراً(3).

ولا يعرف على وجه التحديد الطريق الذي سلكه يعقوب بن أفلح ورفقاؤه. ومهما يكن من أمر فإنَّ الفاطميِّين لم يغفلوا هذه الهجرة، فقد ظلُّوا متخوِّفين من فرار هذا الإمام، خاصَّة وأنَّه توجَّه إلى وارجلان. فقد بعث أبو عبد الله خيرة رجاله لملاحقته. وتصف المصادر الإبَاضِيَة تصدِّي الإمام لهذه الحملة. فتذكر أنَّه كان يبارزهم وحده حتَّى يبتعد أصحابه ثمَّ يلحق بهم، حتَّى وصلوا إلى وارجلان سالمين. يقول أبو زكرياء: «إذا نظروا إليه وعرفوه (أي يعقوب) توقَّفوا له من هيبته»(4).

ولاتقاء شرّ هذه الحملة، اعتصم الإبَاضِيَة بجبل كريمة الذي يقع على بعد عشرة كيلومترات جنوب وارجلان. ولمَّا وصل رجال هذه الحملة ضربوا عليهم الحصار، حتَّى يموتوا من العطش والجوع، إلاَّ أنَّ أحداً اقترح أن تحضر قصاعٌ كبيرة مملوءة بالزيت، وجعلوا يقدِّمونها للجِمال التي تمكَّن منها العطش. فأقبلت عليها الجمال معتقدة أنَّه الماء. ولمَّا وجدته زيتًا لفَظته من أفواهها، واعتقد المحاصرون أنَّهم يعطون الماء لجمالهم، وتأكَّدوا من فشل الحصار(5). فقرَّروا تخريب المدينة والاستيلاء على ما بها من الغنائم. وأثناء عودتهم إلى إفريقيَّة لحق بهم أحد الوارجلانيِّين ليخبرهم بالحقيقة، إلاَّ أنَّ جماعة من سدراتة قتلته حتَّى تفسد هذه الوشاية(6).

هذا ورغم إشارة المصادر الإبَاضِيَة إلى هذه الحملة، إلاَّ أنَّ الغموض يكتنف بعض جوانبها. فهل انطلقت الحملة من تاهرت مباشرة بعد استيلاء الشيعة عليها؟ أم

(1) - هو العالم: أبو صالح جنون بن يمريان حاكم وارجلان، كان معاصراً للدولة الرُّستُمِيَّة في أيَّامها الأخيرة. وهو الذي ترجع إليه أمور المدينة. كما أنَّه هو الذي طلب من الإمام يعقوب بن أفلح إحياء الدولة الإبَاضِيَة المندثرة. انظر: الشماخي: السير، ص: 362 - 364. وعلي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، ج 4، مطبعة الدعوة الإسلامية، الطبعة الأولى، القاهرة 1979، ص: 162 - 170.

(2) - الشماخي: نفس المصدر، ص: 362. الدرجيني: الطبقات، ج 2، ص: 341 - 342.

(3) -الشماخي: السير، ص: 365 وما بعدها. حمو محَمَّد عيسى النُّوري: دور الميزابيِّين في تاريخ الجزائر قديماً وحديثاً، ج 1، دار الكروان، باريس، 1984، ص: 107.

(4) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 1، ص: 124.

(5) - الدرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 65 - 66.

(6) - أبو زكرياء: المصدر السابق، ج 1، ص: 114. الدرجيني: نفس المصدر، ج 1،ص:96

٢٣ / ١٨١