الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٢٨

انطلقت من سجلماسة بعد تحرير الخليفة من السجن؟ أم من إفريقيَّة؟ وإجابة على ذلك، يرى "لوتيو" أنَّ الحملة انطلقت من إفريقيَّة. ويعلِّل ذلك بأنَّ فرار الإمام يعقوب إلى وارجلان لم يعق الشيعة عن مواصلة زحفهم إلى سجلماسة. وبعد إخراج الشيعي وابنه من السجن، عاد الشيعة إلى القيروان لكنَّهم لم ينسوا الإمام الإبَاضِي الفار. وكانوا يعرفون أنَّ رخاء المدينة وثراء أهلها لاشتغالهم بالتجارة سيمكِّن الإمام من إحياء الدولة الرُّستُمِيَّة. هذه الدولة التي قد تشكِّل خطراً على الدولة الفاطميَّة(1). لذلك فإنَّه يرى أنَّ الحملة حدثت بعد عودة الجيش الفاطميِّ من سجلماسة، وليس أثناء فتح تاهرت لأنَّ ذلك الفتح لم يكن في الحسبان لولا أنَّ فتحها لا يتطلَّب جهداً كبيراً خاصَّة بعد خروج الناس لاستقباله خارج تاهرت عارضين عليه المساعدة. ويضيف "لوتيو" أنَّ الثورات التي قامت في المغرب، كثورة "كتامة" التي وقعت بعد عودة "المهدي" من سجلماسة وثورة أهل الزاب(2) التي قامت سنة 299هـ (911م) وانتفاضة طرابلس(3) في سنة 300هـ (912م)، قد شغلت الفاطميِّين من محاربة الإبَاضِيَة. ولهذا فإنَّه يرى أنَّ الحملة انطلقت من إفريقيَّة بين سنتي 297هـ (909م) و 299هـ (911م).(4)

ونستبعد ما ذكره "لوتيو" من أنَّ الحملة انطلقت من إفريقيَّة لأنَّه ليس من المعقول أنْ يغادر الجيش الفاطمي "تاهرت" متَّجها إلى سجلماسة ثمَّ يعود إلى إفريقيَّة مرَّة ثانية ويرسل حملة من هناك، والإبَاضِيَة الفارُّون لم يصلوا وارجلان بعد، لأنَّ المسافة بين سجلماسة و"رقَّادَة"(5) أضعافُ أضعافِ المسافة بين وارجلان وتاهرت.

والأرجح أنَّ الحملة أرسلت من تاهرت لتعقُّب الإبَاضِيَة. وقد مرَّ بنا أنَّ الإمام أبدى شجاعة كبيرة في التصدِّي لها قبل أنْ تتحصَّن في جبل … "كْريمَة" المنيع.

كما يبدو أنَّ شطراً من الجيش قام بالحملة، أمَّا بقيَّة الجيش فقد واصل طريقه إلى سجلماسة. ويبدو كذلك أنَّ أفراد الحملة سارو إلى سجلماسة بعد فشل حملتهم، لأنَّ الشيعة ــ كما يقول: ابن خلدون ــ: «أقاموا في سجلماسة أربعين يوماً بعد إخراج

(1) - Jean LETHILLEUX: Ouargla cité saharienne des origines au début du XX، Paul Geuthner Paris 1983، P 33.

(2) - قامت كتامة بهذه الثورة بسبب قتل المهدي لأبي عبد الله الشيعي. فحاربهم أبو =القاسم نزَّار وهزمهم. انظر ابن خلدون: كتاب العبر، مج 7، ص: 78.

(3) - في سنة 300 هـ (912م) قام سكَّان طرابلس بثورة، فطردوا عاملهم ماكنون، واستطاع أبو القاسم نزار من الدخول إليها، بعد حصار طويل، وقام بتغريمهم بثلاثمائة ألف دينار. انظر: ابن خلدون: نفس المصدر، نفس الجزء والصفحة.

(4) - J. LETHILLEUX: Ouargla، p45.

(5) - تقع هذه المدينة في إفريقيَّة وكانت عاصمة لدولة بني الأغلب (184 - 296هـ). تبعد عن القيروان مسافة أربعة أميال. يصفها البكري بأنَّها كثيرة البساتين. ويذكر أنَّ أوَّل من أبتدأ البناء في موضعها إبراهيم بن أحمد سنة 263هـ ثمَّ انتقل إليها من مدينة القصر القديم، وبنى بها القصور ثمَّ عمِّرت بالأسواق والحمَّامات والفنادق. ولمَّا سقطت دولة الأغالبة سكنها أبو عبيد الله إلى أنْ انتقل إلى المهديَّة سنة 338هـ.

انظر: البكري: المغرب، ص: 27.

٢٤ / ١٨١