الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٢٩

المهدي وابنه من السجن».(1) فربَّما كانوا ينتظرون عودة أفراد هذه الحملة.

ومهما يكن من أمر فقد استُقبِل يعقوب بن أفلح استقبالاً حارًّا من قبل الشيخ "أبي صالح جنُّون بن يَمْرِيَّانْ" متولِّي أمور وارجلان، وأهل مدينته. فلمَّا دخل الإمام المدينة أكرموه، وأحسنوا إليه، وطلبوا منه أنْ يتولَّى أمرهم بغية إحياء الدولة المندثرة، إلاَّ أنَّه رفض قائلاً: «لا يستتر الجمل بالغنم»(2)، معبِّراً عن الضُّعف الذي حلَّ بهم. وبذلك فضَّل "يعقوب" إمامة الكتمان(3) على إمامة الظهور.(4)

ولا نتَّفق مع الدكتور سعد زغلول عبد الحميد حين اعتقد أنَّ "يعقوباً" قد وقف إلى جانب ابنة أخيه "دَوسَرْ" طلباً للثأر. ولابدَّ أنَّ عفو الشيعيَّ قد شملهما، وأنَّ ذهابهما إلى وارجلان تمَّ بموافقته معتمداً على إشارة وردت عند الدرجيني، تذكر أنَّ يعقوباً وابنة أخيه "دَوْسَرْ" خرجا خفية إلى وارجلان.(5) ولو صحَّ هذا فما الذي دعا أبا عبد الله إلى إرسال جيش لملاحقة يعقوب إلى وارجلان مع أنَّ الأمور لم تكن قد استقرَّت بعد للفاطميِّين في بلاد المغرب.

كانت وارجلان في هذه الفترة عاصمة من عواصم الصحراء الكبرى يتولَّى أمورَها الشيخ أبو صالح جنُّون بن يَمْرِيَّان، وكان يعلِّم الناس وينفق على تلاميذه من ماله الخاص. ونظراً لمكانته العلميَّة اتَّجه العلماء إلى وارجلان للاستفادة من علمه الغزير. كما كان ينفق على فقراء وارجلان ومساكينها ويصفه الشماخي قائلاً:

«كان عالماً ورعاً سخيًّا، ذا كرامات، وهو أحد أقطاب الدين وثمال اليتامى والمساكين».(6)

رأينا فيما سبق أنَّه لمَّا استولى الفاطميُّون على تاهرت فرَّ عددٌ من الإبَاضِيَة مع إمامهم يعقوب بن أفلح إلى الصحراء. لكنَّ المصادر لا تذكر أنَّ هجرة كثيفة خرجت من "تاهرت" ويعني هذا أنَّ عدداً غير قليل منهم من فضَّل البقاء في المدينة، واقتصرت تلك الهجرة على الأسرة الرُّستُمِيَّة، وبعضِ … شيوخ الإبَاضِيَة.

(1) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 7، ص: 75.

(2) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 1، ص: 124. الدرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 105. الشماخي: السير، ص: 365 - 366.

T. Lewicki: Les hakims du Gabal Nafusa au moyen âge، ROCKZNIK orientalistyczny T 26، 1962، P 95.

(3) - أي الحفاظ على الدين دون إعلانه حتَّى لا يمنع تطبيقه مثلما كان حال شيوخ الإبَاضِيَة الأوائل أمثال جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة حيث كتما مذهبهما. =انظر: الجناوني: عقيدة التوحيد، نشرت ضمن

Extraits du bulletin d’études orientales، T 32 - 33، 1980، P 49.

(4) - هي الإمامة الكبرى المعلنة. ويشترط في إقامة هذه الإمامة أن يكون للإبَاضِيَة عدَّة وقوَّة في المال والعلم بدين الله، مثل الدولة الرُّستُمِيَّة. انظر: أبو عمَّار عبد الكافي: الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرَّد على أهل الخلاف، ج 2، ش و ن ت الجزائر 1978، ص: 236.

(5) - سعد زغلول عبد الحميد، تاريخ المغرب العربي، ج 2، منشأة المعارف الأسكندريَّة 1979، ص: 397.

(6) - الشماخي: السير، ص: 362.

٢٥ / ١٨١