الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٣٤

أنَّ "بني وَرْمَازْ"(1) طغوا وأكثروا من الفساد، فاجتمع شيوخ أريغ إلى الشيخ أبي عبد الله محمَّد بن بكر الذي ذكَّرهم بما يقوم به "بنو ورماز" من فساد، وقتل للعزَّابة الذين كانوا يزورون المدينة. ويبدو أنَّ "بني ورماز" كانو في أعداد كبيرة، حيث أنَّ أحد شيوخ "أريغ" أعرب عن عدم استطاعتهم وضع حد لطغيانهم. ممَّا أدَّى إلى غضب الشيخ أبي عبد الله ورحيله عن "أريغ" متجها إلى مدينة "فْرَانْ"(2) من نواحي وارجلان. ونظراً لمكانة أبي عبد الله الدينيَّة والعلميَّة، رجوه أنْ يعود إليهم، إلاَّ أنَّه اشترط القضاء على الفساد الذي يحدثه "بنو ورماز". عندئذٍ اتَّحد الإبَاضِيَة ووضعوا حدًّا لعدوانهم.(3)

لقد أدَّت هذه المشاكل إلى هجرة العلماء، وعدم رغبة البعض منهم في العودة إليها مرَّة أخرى. ويذكر أنَّ الشيخ أبا نوح(4) عاد إلى وارجلان بعد موت الشيخ أبي صالح جنون بن يمريان، فوجد البلاد قد تغيَّرت، وكثر فيها الفساد. وخرج الإبَاضِيَة عن مذهبهم وأكثر العبيدُ من الاستيلاء على أموال الناس. كما اشتدَّت الفُرقة فغادرها الشيخ من فوره، ولم يبت ليلته فيها(5)

كما أنَّ الصراع المذهبي والتناحر بين الفرق الإسلاميَّة الموجودة في وارجلان بلغ أشُدَّه. فالشماخي يذكر أنَّ أهل وارجلان قتلوا جماعة من الأشعريَّة.(6)

إنَّ هذه الأوضاع المتردِّية أدَّت إلى هجرة العلماء. فقد كانت وارجلان كعبة علماء الإبَاضِيَة، ومركزاً كبيراً لحلقات التدريس. وقد ساء حال المدينة حتَّى أنَّ أبا يعقوب يوسف بن محَمَّد(7) قال: «إنَّ ذكر وارجلان مضرَّة وكيف بدخوله» (ها ((8)

وقد زارها العلماء في هذه الفترة، إلاَّ أنَّهم لم يمكثوا فيها سوى بضعة أيَّام، ومنهم من لم يدخل المدينة قطُّ. يروي الوسياني أنَّ أبا يعقوب سافر إلى تاهرت من

(1) - بنو ورماز هم قبائل كانو يقيمون في ضواحي مدينة أريغ، عرفوا بأنَّهم كانوا قطَّاع طرق. انظر: الشماخي: نفس المصدر، ص: 388.

(2) - تقع هذه المدينة التي لم يرد ذكرها في المصادر الجغرافيَّة قرب مدينة سدراتة.

(3) - الشماخي: السير، ص: 388 - 389، أبو زكرياء: سير الأئمَّة وأخبارهم، مج 2، ص: 326 - 327، علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، مج 4، ص: 183 - 185.

(4) - هو أبو نوح سعيد بن يخلف المزاتي أحد علماء الإبَاضِيَة، عاش في القرن الرَّابع الهجري كان معاصراً لشيخ وارجلان أبي صالح جنون بن يمريان كان أبو نوح مهتمًّا بتربية الإبل والغنم والخيل إلى جانب اهتمامه بالتعلُّم. انظر: علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، مج 4، ص: 171 - 175.

(5) - الدَّرجيني: الطبقات، ج 2، ص: 154 - 155.

(6) - الشماخي: السير، ص: 438.

(7) - هو أبو يعقوب يوسف بن محَمَّد المعروف بالطرفي الوارجلاني. يصفه الوسياني بأنَّه شيخ الرَّأي الناصح من أهل "تينْ يمْصُونْ" في ضواحي وارجلان. تعلَّم هذا الشيخ في تاهرت على يدي عبد الرحمن بن رستم. انظر: السير، ج 2، ورقة 46.

(8) - الوسياني: نفس المصدر، ج 2، ورقة 50 - 51.

٣٠ / ١٨١