الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٣٥جبل نفوسة، فلمَّا وصل إلى وارجلان لم يدخلها خوفاً من الخلاف والشقاق بل كان يبعث من يقضي له حوائجه.(1)
لقد تركت هذه الظُّروف أثراً كبيراً في الحياة الاجتماعيَّة والثقافية والاقتصادية في المدينة، فقلَّت حلقات التدريس وفتُرت حركة التجارة … لعدم أمان الطرق التجاريَّة. وأطلَّت الطَّائفيَّة برأسها ممَّا أدَّى إلى ضعف الإبَاضِيَة عامَّة.
ويبدو أنَّ مجلس العزَّابة - وهو حديث العهد في المدينة - عجز كلِّية عن القيام بدوره كما ينبغي، نتيجة لفتور الحماس الديني وكثرة العناصر غير الإبَاضِيَة في المنطقة. فلم يعد ممكنا أنْ تسري عليها قرارات العزَّابة.
وعلى الرغم من مشاكل وارجلان وفتنها، إلاَّ أنَّ الهجرات إليها ظلَّت متَّصلة خاصة في فترات الاستقرار. ففتن وارجلان واضطراب أمورها أهون على المهاجرين من العيش في إفريقيَّة والمناطق الأخرى التي عاشت الحروب والصِّراعات بين الدول القائمة. أضف إلى ذلك رغبة الإباضيَّة الفارِّين العيشَ قرب إخوانهم وتحمُّل ما يتحمَّلونه من متاعب.
ومن بين الإبَاضِيَة الذين فرُّوا إلى وارجلان انقاذاً لأرواحهم إبَاضِيَةُ "قلعة درجين"(2) بإفريقيَّة، عندما استولى عليها بنو زيري.
والسرُّ في هجرة الإبَاضِيَة إلى وارجلان ــ كما تقول المصادر الإبَاضِيَة ـ يرجع إلى اعتقادهم أنَّ قرية "جُغْرَافْ"(3) هي آخر مابقي للإبَاضِيَة(4).
ومن الهجرات الأخرى التي تذكرها المصادر انتقال إبَاضِيَة طرابلس إلى وارجلان عقب حدوث القحط الكبير ببلادهم سنة 430هـ (1038م).(5) كما انتقل
(1) - نفس المصدر والجزء، ورقة 51.
(2) - هي مدينة في إفريقيَّة تقع قرب مدينة نفطة في كورة قسطيلية، يصفها صاحب الاستبصار بأنَّها مدينة كبيرة تشتهر بصناعة الكسى، وبالقرب منها بلد سوف، ولا يعرف بعده عمران إنَّما صحراء وجبال. انظر: مؤلِّف مجهول: كتاب الاستبصار، ص: 159.
(3) - انتشرت هذه الخرافة بين الإبَاضِيَة، وهي زعمهم أنَّ دولة اباَضِيَّة تقوم في مدينة تُسمَّى جغراف، تمتاز بالعدل والصَّلاح، ولمَّا رأى الناس صلاح مدينة أجلو (أريغ) اعتقدوا أنَّها جغراف التي ذكرتها القصص. وهناك رواية تقول: لا يبقى مسلم في آخر الزَّمان إلاَّ في جغراف. وحسب اعتقادهم فإنَّه إذا انتقل بن درجين من قنطرارة إلى أسوف راح أهل أسوف إلى أريغ ثمَّ انتقل أهل أريغ إلى وارجلان. فإن اجتمعوا في وارجلان ارتحلوا إلى جغراف. انظر: الوسياني: السير، (مخ) ج 2، ورقة 82. علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، ح 4 هامش، ص: 436.
T. Lewicki: Une croyance des Ibadites nord Africains sur la fin du monde: le pays de GUGRAF; Vem congrés international d’arabisants et d’Islamisation، Brurelles 31 aout - 6 septembre 1970، publications du centre pour l’étude des problémes du monde musulman contemporain، pp 317 - 327.
(4) - الوسياني: نفس المصدر، ورقة 82.
(5) - الشماخي: السير، ص: 400.