الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٣٦إليها أهل "تاغَرْوِيتْ"(1) نتيجة اضطراب الأحوال الاقتصادية(2)
وقد زادت هذه الهجرات خاصة أثناء الغزو الهلالي لبلاد المغرب نتيجة الخراب الذي أحدثوه في إفريقيَّة والمغرب الأوسط. فاضطرب أمر إفريقة وخرب عمرانها، وأصبحت طرقها غير آمنة وخير وصف لهذا التخريب ما ذكره ابن خلدون حين قال: «جاء العرب فدخلوا البلد واستباحوه واكتسحوا المكاسب وخرَّبوا المباني، وعاشوا في محاسنها، وطمسوا من الحسن والرونق معالمها … وشملوا بالعبث والنَّهب سائر من فيها، وتفرَّق أهلها في الأقطار فعظُمت الرزية وانتشر الدَّاء وأعضل الخطب»(3).
وعلى الرغم من عدم وصول الهلاليِّين إلى وارجلان آنذاك إلاَّ أنَّهم ضاعفوا المشاكل، وزادوا الأمور تعقيداً. فلا شكَّ أنَّ الفارِّين من الغزاة قد لجأوا إلى المدن البعيدة في أطراف الصحراء، خاصَّة القبائل التي كانت مواطنُها في بلاد الزاب والمسيلة ذلك أنَّ بني هلال أحدثوا فيها تخريباً فتركوها كما يقول ابن خلدون: «قاعا صفصفا أفقر من بلاد الجنِّ وأوحش من جوف العير، وغوَّروا المياه، واحتطبوا الشجر وأظهروا في الأرض الفساد»(4)
ومهما يكن من أمر فإنَّ بني واركلا رأووا مدينتهم وارجلان قد اكتظَّت بالسكَّان إثر قدوم الجماعات البدويَّة الزناتيَّة الذين طردوا من مواطنهم ممَّا تسبَّب في عدم استقرار المنطقة. إذ بعد هذا اضطربت أمور إفريقية خاصَّة بعد الهجرة الثانية لبني هلال. فقد استغلَّ ابن "خَزْرُونْ"(5) زعيم زناتة هذه الظروف فاستولى على بعض المدن التابعة لدولة بني حماد، وأرغم الأمير الحمَّادي الناصر بن علناس (481 - 498هـ) (1088 - 1104م) على ترك بلاد "الزاب" ووادي "أريغ". وفي يوم دخول ابن خزرون إلى مدينة بسكرة، قتله بعض رجال "العَرُوسْ بن سِنْدِي".(6) وأخذاً بالثأر طلب الزنَّاتيون المساعدة من الأثبج(7) الهلاليين. فما كان من الناصر إلاَّ أنْ
(1) - تاغرويت هي قرية مجاورة لمدينة نالوت بجبل نفوسة. انظر: الشماخي: نفس المصدر، ص: 400.
(2) - الشماخي: نفس المصدر، ص: 296، وانظر: كذلك
T.Lewicki: Tamsiya suyuh Nafusa wa Qurahum، Warsyawa، 1955، p 79
(3) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 11، ص: 34.
(4) - ابن خلدون: نفس المصدر، مج 11، ص: 43.
(5) - هو المنتصر بن خزرون الزناتي زعيم زناتة خاض عدَّة ثورات ضدَّ الناصر ثمَّ أقطعه ضواحي الزاب ووريغة وأوعز إلى عروس بني سندى (هندي) حاكم بسكرة بقتله. انظر: ابن خلدون: نفس النصدر، مج 11، ص: 355 - 356.
(6) - يسمِّيه ابن خلدون عروس بن هندي. انظر: كتاب العبر، مج 11، ص: 356.
(7) - الأثبج هم قبائل من الهلاليين مثل زغبة وعدى ورباح وهم من بني عامر بن صعصعة وبنو جشيم بن معاوية بن بكر. وهي قبائل مضرية عدنانية. استوطنوا منطقة الحضنة في مدينة طبنة والمسيلة ونقاوس. انظر الطاهر أحمد الزاوي: تاريخ الفتح العربي في ليبيا، دار المعارف: ط2، القاهرة، 1963، ص: 222. موسى لقبال: طبنة مدينة الزاب والأوراس في العصور الوسطى، الأصالة. عدد 60 - 61 سنة 1978، ص: 91.