الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٣٧أرسل حملة قادها ابنه المنصور (498 - 500هـ) (1104 - 1106م) استولت على وارجلان وبعض قرى أريغ(1).
يقول: ابن خلدون: «بعث إليه (أي الناصر) أهلُ الزاب أنَّ عمر و"مغراوة"(2) ظاهروا الأثبج من العرب على بلادهم، فبعث ابنَه المنصور في العساكر ونزل وَعْلاَنْ(3) بلد المنتصر بن خزرون، وهدَّمها، وبعث سراياه وجيوشه إلى بلد "واركلان" وولِّي عليها، وقفل بالغنائم والسبي»(4).
ولم يستطع أهل وارجلان مقاومة هذه الحملة نظراً لانقسامهم وعدم اتِّفاقهم على الدفاع على مدينتهم.
أمَّا مدينة سدراتة فقد خرِّبت في فترة متأخِّرة عن خراب وارجلان على يد علي يحيى بن اسحاق الميورقي المسوفي المعروف بابن غانية سنة 634هـ (1236م) حيث «خرَّب عمرانها، واجتثَّ شجرها، وغوَّر مياهها»(5)
وهكذا كانت نهاية سدراتة التي لا زالت آثارها موجودة إلى يومنا هذا تخفيها كثبان الرمال. وقد أُجريت في موقعها عدَّة حفائر إلاَّ أنَّ وعورة المنطقة وكثرة الرمال حالت دون كشف المدينة كلِّها. ونتيجة للحفريات التي قام بها "تارى" TARRY، بلانشي، BLANCHET، فوشر FAUCHER، مارغريت فان برشم Marguerite VAN BERCHEM، تمَّ الكشف عن آثار قيِّمة لمبانٍ كبيرة، ونقوش مزخرفة، وأشكال هندسيَّة، وأوانٍ متنوِّعة. ويذكر علماء الآثار أنَّ "سدراتة" كانت تتكوَّن من ثلاثمائة وخمسة وعشرين قرية، ولها ألف وإحدى وخمسون عيناً جارية. واكتشفوا أنَّ قنوات المياه المتفرِّعة في ضواحي المدينة سليمة، منها واحدة تصل إلى وارجلان.(6)
كما تمَّ الكشف عن قصر يحتوي على أربع وثلاثين غرفة، ترتفع جدرانه إلى أربعة أمتار، وبأعمدته نقوش عربيَّة. كما كشفوا عن زوايا زخرفيَّة ولآلي وورود، ورسوم. وكانت زهرة الزنبق وتنوُّع أشكالها أهمَّ عنصر للزخرفة(7).
وأثبتت الحفريَّات التي قامت بها "فان برشم"، وجود مدينة يزيد طولها عن كيلومترين وعرضها عن كيلومتر واحد. وأنَّ هذه المدينة كانت تتكوَّن من عدَّة قرى مبنيَّة على التلال تربطها الطرق. كما عثرت على آثار سور وأبراج للمراقبة، واستطاعت كشف شبكة قنوات المياه التي كانت تسقي المزارع والجنان المحيطة
(1) - ابن خلدون: المصدر السابق، مج 11، ص: 356.
(2) - هي قبائل زناتية وتعتبر أقوى بطونها. كانت لهم الرئاسة على المغرب الأوسط مع بني يفرن. ومن بطون مغراوة بنو "سَنْجَاسْ" وبنو زَنْدَاجْ وبنو روا وبنو ورسيفان وورْداجة وغيرهم. انظر ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 103. سنوس … يوسف إبراهيم: زناتة والخلافة الفاطميَّة، مكتب سعيد رأفت، ط1، القاهرة، 1986، ص: 59 - 60.
(3) - هي قرية في بلاد الزاب يسمِّيها الوسياني "وغلانة". انظر: السير، ج 2، ورقة 30.
(4) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 11، ص: 356.
(5) - نفس المصدر، مج 7، ص: 98.
(6) - رشيد بورويبة: الفن الرُّستُمِي بتاهرت وسدراتة، مجلَّة الأصالة، منشورات وزارة الشؤون الدينيَّة، عدد: 41، الجزائر، سنة 1977، ص: 189.
(7) - نفس المرجع، ص: 190 - 191.