الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٤٨وقد ظلَّت عمليَّة البحث عنه متَّصلة. فلمَّا علم"القائم بأمر الله" بموضعه، أرسل إليه جيشاً كبيراً حاصَره في جبل أوراس سبع سنوات عانى فيها أصحابُه كثيراً. وكاد هذا الحصار أنْ يقضي عليه لولا الفكرة التي أشار إليها أبو يزيد لصدِّ هذا الهجوم وفكِّ الحصار حيث أمر ذات ليلة بخمسمائة ثور، على أنْ يربط في كلِّ قرن من قرون الثيران حزمة من الحلفاء، وفي أذنابهم حزم أخرى، واختار لهذه المهمَّة خمسمائة رجل من خيرة رجاله، وأمرهم أنَّ يسوقوا الثيران. وعندما اقتربت من معسكر الفاطميِّين، أشعل كلّ واحد النار في الحلفاء، فلمَّا أحسَّت الثيران بالنار، انطلقت كالسهام والرجالُ وراءها بالسيوف يقتلون كلّ من كان أمامهم. وبذلك تمَّ إلحاق هزيمة قاسية بالفاطميِّين. وكان من نتائج هذا الانتصار أنْ ارتفعت معنويَّات أصحاب أبي يزيد، وازداد إقبال الناس عليه إذ انضمَّ إليه عدد كبير من عساكر الفاطميِّين.(1)
أمَّا الإبَاضِيَة الوهبية فإنَّهم ــ كما يقول الدَّرجيني ــ: لم يشاركوا في هذه الثورة إذ أنَّ مسارة بن غني ــ أحد أصحاب أبي يزيد ــ قال له: «لا تظن أنَّ الوهبيَّة خرجوا معك، فإنَّهم في مساجدهم».(2)
ويبدو أنَّ الإبَاضِيَة الوهبيَّة شاركوا كذلك في هذه الثورة لا حبًّا في أبي يزيد. فالعداوة شديدة بين النكارية والوهبية، وإنَّما لوحدة الهدف الذي ينشده كلا الفريقين. ولتجنيد الرجال ــ لضمان نجاح الثورة ــ فقد زار أبو يزيد مدينة وارجلان سنة 325هـ (936م) ونزل عند "بني زنداك" و"بني واركلا" حيث أمضى سنة كاملة ينتقَّل في هذه المناطق بين مدينة "المسيلة" وبين وادي أريغ والزاب لتجنيد الرجال. كما مرَّ بِ"مَرْمَاجَنَّة"(3) وفيها أهداه سكانها حماراً أشهبَ، ظلَّ يركبه مدَّة طويلة حتَّى أنَّه أصبح يُعرف بِ "صاحب الحمار".
ولمَّا عاد أبو يزيد إلى "أوراس" صحبة شيخه أبي عمَّار الأعمى سنة 331هـ (942م) أخذت له البيعة على قتال العبيديين. فإذا انتصروا واستولوا على المهدية(4) والقيروان، أصبح الأمر شورى بينهم.(5)
وبداية من هذا التاريخ انطلقت ثورة أبي يزيد ولقِّب بشيخ المؤمنين، خاصَّة وأنَّه
(1) - الدَّرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 105.
(2) - نفس المصدر، مج 1، ص: 105.
(3) - تقع هذه المدينة بإفرِيقِيَّة، قريبة من مدينة "الأريس" وبينها وبين مدينة مجانة مرحلتان. انظر: الحميري: الروض المعطار، ص: 540.
(4) - هي مدينة استحدثها المهدي القائم بالمغرب وسمَّاها بهذا الاسم، وانتقل إليها من رقادة سنة 308هـ، وأصبحت عاصمة للدولة الفاطميَّة. انظر: ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 73.
(5) - القرشي: عيون الأخبار، ص: 173. ابن خلدون: كتاب العبر، مج 7، ص: 28. سليمان بن الحاج داود بن يوسف: ثورة أبي يزيد جهاد لإعلاء كلمة الله، مطبعة البعث، ط1، قسنطينة 1971، ص: 28. محمود اسماعيل: الخوارج في المغرب الإسلامي، ص: 178.