الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٥٠

ويسمَّى "رحمون"، ثمَّ توجَّه إلى القيروان.(1)

وفي هذه الظروف أرسل الخليفة القائم قائدَ جيشه "بشرى" مرَّة أخرى للقاء أبي يزيد، وتمكَّن في هذه المرَّة من إلحاق الهزيمة بالنكارية.(2)

ولمَّا رأى أبو يزيد ماحلَّ بأصحابه اغتاظ من ذلك فجمع أصحابه وانطلق إلى قتال الكتاميين، واستطاع أنْ ينتصر عليهم ويطاردهم إلى رقادة ثمَّ نزل بقواته بالقرب من القيروان(3). ثمَّ ما لبث أنْ عاد إلى رقادة وهاجمها. كما أرسل عسكراً إلى القيروان، ودخلها دون مقاومة.(4)

ويبدو أنَّ تهاون وتقاعس والِيها خليل بن إسحاق من قِبل الفاطميين وتكاسله عن الدفاع عنها سهَّل المهمَّة لأبي يزيد. بالإضافة إلى عدم تحمُّس المالكيَّة إذ سبق وأن انضمَّ بعضهم إلى حركته وتقاعس بعضهم عن الدفاع عن المدينة كراهية من النفوذ الفاطمي.

وبفضل هذه الهجمات الخاطفة، استطاع أبو يزيد أنْ يستولي على جزء كبير من إفرِيقِيَّة. كما اشتدَّ الخوف في المدن حيث ظلَّ مدَّة ثمانية وستين يوما يبثُّ سراياه في جميع مدن إفرِيقِيَّة ينهبون ما يجدونه من قوت وسلاح. كما بعث جيشاً إلى مدينة "سوسة"(5) فأحرقها وبطش بأهلها، أشدَّ بطش حتَّى أنَّ ابن أبي دينار يقول: «فعل بأهل سوسة ما لا تفعله أعداء الدين»(6) وعن الخراب الذي أحدثته هذه الثورة، يضيف قائلاً: «ولم يبق بإفرِيقِيَّة منزلٌ عامرٌ».(7)

وتجدر الإشارة إلى أنَّ ما يميِّز هذه المرحلة من مراحل ثورة أبي يزيد انضمام شيوخ القيروان إليه، إذ أصبحت هذه الثورة تهمُّ كلَّ سكان بلاد المغرب بمختلف أجناسه ومذاهبه. ففي البداية كانت الثورة ثورة النكارية ثمَّ ما لبث أنْ انضمَّ إليها الوهبيَّة والمالكيَّة وبعض الشيعة الذين فرُّوا من عسكر الفاطميين. ذلك أنَّ هؤلاء اعتبروا هذه الثورة إحدى الفرص للخلاص من حكم الشيعة، لأنَّ مظهر الحركة في البداية كان سنيًّا يُظهر الترحُّم على أبي بكر وعمر، وقراءة مذهب الإمام مالك والعمل به، وضرورة تطبيق الشريعة الإسلاميَّة طبقاً للكتاب والسنَّة، وأنَّه ثار من أجل العدالة والإسلام، وإزالة البدع التي أراد الفاطميُّون إدخالها على العقائد والعبادات. والحقيقة أنَّ أبا يزيد كان يتطلَّع إلى تكوين دولة إبَاضِيَة نكارية. لذلك نراه

(1) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 4، ص: 84 - 86.

(2) - نفس المصدر والجزء، والصفحات.

(3) - المقريزي: اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمَّة الفاطميِّين الخلفاء، دار الفكر العربي، القاهرة 1948، ص: 111.

(4) - ابن الأثير: الكامل، مج 8، ص: 424 - 425.

(5) - هي مدينة أزلية تقع على ساحل البحر في شرق تونس، فيها بنيان عظيم يسمَّى "الملعب"، اشتهرت بكثرة الأمتعة وجودة الثياب الرقاق. انظر: مؤلِّف مجهول: الاستبصار، ص: 119.

(6) - ابن أبي دينار: المؤنس، ص: 59.

(7) - نفس المصدر، ونفس الصفحة.

٤٦ / ١٨١