الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٥٣

الوليد «على المنبر، وخطب خطبة أبلغ فيها، محرِّضاً الناس على الجهاد، فأثَّرت خطبته في الناس فأبْكَتهم بكاء شديداً»

وممَّا جاء في خطبته في سبِّ الفاطميين ما يلي: «اللهمَّ إنَّ هذا القرمطيَّ الكافر الصنعاني، المعروف بابن عبيد الله المدعي "الربوبية" من دون الله، جاحداً لنعمتك، كافراً بربوبيتك، طاعناً في أنبيائك مكذِّباً لمحَمَّد نبيِّك، وخيرتك من خلقك»(1)

وهكذا نرى أنَّ هذا الحماس الذي أثاره علماء المالكيَّة في القيروانيين أدَّى إلى إقبال القبائل، وانضمامهم إلى قوات أبي يزيد. وبفضل هذه التعبئة الكبيرة، استطاع أبو يزيد أنْ يحرز انتصارات حاسمة ضدَّ الفاطميين. فكانت خطوته التالية هي الاستيلاء على القيروان خاصة وأنَّ أهلها وقفوا إلى جانبه.

3 - استيلاء أبي يزيد على القيروان:

لمَّا رأى أبو يزيد خروج أهل القيروان في استقباله، طالبين منه الأمان، معرِبين له عن استعدادهم للوقوف في صفِّه، عزم على الاستيلاء على المدينة.

وبالرغم من الاستقبال الكبير الذي حُظيَ به، إلاَّ أنَّه سمح لأصحابه بنهبها يقول المقريزي: «خرج شيوخ القيروان إلى أبي يزيد ـ وهو برقادة ـ فطلبوا الأمان فماطلهم، وأصحابُه يقتلون وينهبون».(2)

ولوضع حدٍّ لهذا التخريب والقتل، قام القيروانيون بتقديم شكوى لأبي يزيد حتَّى يكفَّ أصحابه عن النهب والقتل، فأمَّنهم «على أنْ يبذلوا له أموالهم ويخرجوا للجهاد معه»(3) واستعدَّ لقتال ميسور الذي وصل بجيشه إلى ضواحي القيروان. ولمَّا اقترب ميسور من القيروان أبلغ القائم أنَّ "بني كملان" اتَّصلوا بأبي يزيد لتمكينه من "ميسور". فأرسل إليه يحذِّره منهم، ويطلب منه طردهم فعادوا إلى أبي يزيد ونصحوه بأنْ يسارع إلى لقائه. وكانت المعركة حامية الوطيس انتهت بانتصار أبي يزيد ومقتل "ميسور". من قبل رجال "بني كملان". وحمل رأسه إلى أبي يزيد انتقاماً منه لطردهم، وطيف به في القيروان.(4) وأُرسلت الرسائل إلى مختلف الجهات تبشِّر بهذا الانتصار. يقول المقريزي: «سير أبو يزيد الكتب إلى عامَّة البلاد يخبر بهذا الظفر».(5) لقد أثَّرت هذه الهزيمة تأثيراً كبيراً على الخليفة القائم، حتَّى إنَّه خاف على سقوط المهدية، كما أنَّ السكان الذين كانوا يقيمون في أرباض المدينة تحوَّلوا منها ودخلوا إليها، واحتموا بسورها. إلاَّ أنَّ القائم منعهم من فعل ذلك، … وعمل على رفع معنوياتهم ووعدهم بالظفر والانتصار فرجعوا إلى … "زويلة"(6) واستعدُّوا للحصار. وذلك سنة 333هـ (944م). وفي البداية قاموا

(1) - الدباغ: معالم الإيمان، ج 3، ص: 39 - 40.

(2) - المقريزي: اتعاظ الحنفا، ص: 112.

(3) - القرشي: عيون الأخبار، ص: 194.

(4) - ابن خلدون: كتاب العبر، ج 7، ص: 30.

(5) - المقريزي: اتعاظ الحنفا، ص: 112.

(6) - تقع هذه المدينة قرب "المهدية" عاصمة الفاطميين. وتعتبر ربضاً من أرباضها جعل فيها المهدي الأسواق والفنادق، وأدارها بالخنادق لتجمع بها المياه، انظر التجاني: الرحلة، ص: 324.

٤٩ / ١٨١