الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٥٥

وفي هذه الأثناء وصل الخبر بوصول "زيري بن مناد"(1) ومن ورائه صنهاجة وكتامة بالطبول والبنود، فظنَّ سكان أرباض المهدية أنَّ الخليفة القائم خرج بنفسه للقتال، فكبَّروا وازداد قتالهم شدَّة وعنفاً.(2)

أمَّا أبو يزيد فقد انسحب إلى "ثَرْنُوطَة"(3)، وأقام على معسكره خندقا في الوقت الذي وصلته الإمدادات من كلِّ حدبٍ وصوبٍ من نفوسة والزاب وأقاصي المغرب. ذلك أنَّ الاستيلاء على المهدية يعني سقوط … الدولة الفاطميَّة.

ولذلك كانت المشاركة كبيرة. وشرع أبو يزيد في الحصار، وأصبح من الصعب الدخولُ إلى المدينة أو الخروج منها. فكان مصير الخارجين منها القتل. يقول: أبو عبد الله الصنهاجي: «كان أصحابه البربر يقتلون كلَّ من ظفروا به من الناس كائناً من كان عيثاً وعبثاً، خاصَّة من خرج من المهديَّة عند حصارهم إيَّاها فراراً من الجوع والحصار، ويشقُّون بطونهم أحياناً فتشاً عن المال، وتوهما (منهم أنَّهم) ابتلعوه».(4)

وفي اليوم السابع من جمادى الأخيرة من نفس السنة، زحف أبو يزيد على المهدية حيث جرى قتال عنيف قتل فيه خيرة رجال القائم. ونتيجة لشدَّة قتال أصحاب القائم أرسل إلى عامله بالقيروان يطلب منه التعجيل لإرسال الجيش إليه. وبمجرَّد أنْ وصلت هذه الإمدادات، قام بالهجوم لكنَّه مُنِيَ بهزيمة نكراء، وأعاد الكرَّة في العشر الآخر من شوَّال، فلم يحرز انتصاراً كبيرا، وعاد إلى معسكره.(5)

ولمَّا انصرف أبو يزيد عن "المهديَّة" كثر خروج الناس نتيجة للجوع الذي لحق بهم، ففتح القائم الأهراء التي عملها المهدي، وفرَّق ما فيها من أطعمة على أهل المهدية للحدِّ من الهجرة. فقد غادرها التجار والرجال غير القادرين على القتال "ولم يبق بها سوى الجند"(6)

وما أنْ علم أبو يزيد بنزول كتامة في مدينة "قَسَنْطِينَة"(7)، وأرسل إليهِم قوَّة من وَرْفَجُومَة(8)، تمكَّنت من تفريقها. وفي هذه المرحلة انسحب عدد كبير من

(1) - كانت العلاقات بين القائم وزيري بن مناد حسنة. فأثناء حصار المهدية راسله القائم ليخبره بما وصلت إليه الأوضاع في المهدية فأرسل له زيري ألف حمل حنطة ومائتي فارس من صنهاجة، وخمسمائة من عبيده. انظر: النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب، ج 24، الهيئة العامَّة للكتاب، القاهرة 1983، ص: 163.

(2) - القرشي: المصدر السابق، ص: 203.

(3) - يسمِّيها التجاني "ترنوط"، تبعد عن المهدية بخمسة أميال. وانظر: الرحلة، ص: 326.

(4) - أبو عبد الله الصنهاجي: أخبار ملوك بني عبيد، ص: 31.

(5) - القرشي: عُيُون الأخبَار، ص: 205. ابن الأثير: الكامل، ج 8، ص: 429. محمَّد أبو العزم: الأثر السياسي والحضاري للمالكيَّة، ص: 204.

(6) - ابن الأثير: الكامل، ج 8، ص: 429.

(7) - تقع هذه المدينة في المغرب الأوسط (شرق الجزائر حاليَّا) يصفها البكري بأنَّها مدينة أزليَّة ذات حصانة. تشقُّها ثلاثة أنهار تجري فيها السفن لذلك أعدَّت عليها القناطر، تسكنها قبائل من أهل ميلة ونفزاوة وقسطيلية وقبائل كتامة. انظر: البكري: المغرب، ص: 63.

(8) - هي قبيلة من البربر يعود نسبها إلى ورفجُومة بن تيدغاس بن ولهاص وهي إحدى بطون ولهاصة. كما أنَّ لورفجومة عدَّة بطون منها زكولة. وتعتبر ورفجُومة من أوسم بطون نفزاوة وأشدِّها بأساً وقوَّة. كانت تنتحل المذهب الإبَاضِي والصفري. انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، ج 11، ص: 231.

٥١ / ١٨١