الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٥٧رجاله، وعاد إلى تونس فأحرقها ثمَّ انتقل إلى "باجة" وأحرقها هي الأخرى.(1)
وظلَّ القائم يعمل بكلِّ ما في وسعه للقضاء على أبي يَزيد خاصة بعد تقلُّص عدد قوَّاته. فأرسل "علي بن حمْدون"(2) إلى مدينة المسيلة وسطيف(3) لجمع الجند منها. ولمَّا اجتمع له خلق كثير عاد إلى المهدية وفي طريقه انقضَّ عليه "أيُّوب" وأثخن القتل في معسكره، ففرَّ "علي بن حمْدون" وشنَّ أبو أيُّوب هجوماً على طائفة من أصحاب القائم قدمت من تونس، إلاَّ أنَّه هزم، واضطرَّ بعدها إلى الدخول إلى القيروان في شهر ربيع الأوَّل سنة 334هـ (945م).(4)
ومن القيروان خرج أيُّوب مرَّة أخرى لقتال علي بن حمدون الذي كان معَسْكِراً في "بَلْطَة"(5). وممَّا ساعد أيُّوب على الانتصار والدخول إلى المدينة أنَّ عليًّا بن حمدون أوكَلَ حراسة أحد أبواب المدينة لرجل يُدعى "أحمد" فراسله أيُّوب يطلب منه تقديم مبلغ من المال مقابل السماح له بالدخول عبر الباب الذي يحرسه، فأجابه أحمد إلى ذلك.
وهكذا تمَّ الاستيلاء على المدينة دون جهد، وأرغم "علي بن حمدون" على تركها، فسار إلى بلاد كتامة. وراح يجمع الرجال من كتامة ونفزة ومزاتة، وغيرهم. ولمَّا تمَّ له ذلك انتقل إلى "قسنطينة" وشنَّ حملة على هوارة. ويبدو أنَّ هوارة استنجدت بأبي يَزيد، فحاول الدفاع عنها إلاَّ أنَّه فشل فشلاً ذريعاً، وأصبح الجيش الفاطمي يسترجع المدينة تلو الأخرى. وكانت مدينة "تِيجسْ"(6) وبَاغَايَة من المدن التي تمَّ استرجاعها(7)
6 - حصار سوسة:
انطلق أبو يَزِيد إلى مدينة "سوسة" في السادس من جمادى الأخيرة سنة 334هـ (946م)، وقام بمحاصرتها وتضييق الخناق عليها. وفي هذه الأثناء توفي القائم، وولَّى بعده ابنه إسماعيل(8) الذي كتم خبر موت أبيه حتَّى لا يؤثِّر ذلك في
(1) - نفس المصدر والجزء، ص: 432.
(2) - وهو علي بن حمدون الأندلسي آخر خدم الفاطميين وهو الذي استحدث مدينة المسيلة، انظر: ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 85.
(3) - هي مدينة كثيرة الخير قريبة من مدينة ميلة والمسيلة وقسنطينة كانت تسكنها قبائل كتامة وهي التي وقفت إلى جانب أبي عبد الله الداعي، انظر، ابن حوقل: نفس المصدر، ص: 93.
(4) - ابن الأثير: الكامل، ج 8، ص: 433.
(5) - هي مدينة تقع قرب مدينة باجة التونسيَّة، اشتهرت بانتاج العنب، انظر: البكري: المغرب، ص: 57.
(6) - هي مدينة تقع قرب قسنطينة في شرق الجزائر. يصفها البكري بأنَّه كان عليها سور صخري، وبها أسواق كثيرة، تسكنها قبائل البربر مثل نفزة وورغروسة، انظر: المغرب، ص: 63.
(7) - ابن خلدون: كتاب العبر، ج 4، ص: 88 - 89. ابن الأثير: الكامل، ج 8، … ص: 433 - 434.
(8) - هو أبو الطاهر إسماعيل بن أبي القاسم. تولَّى الخلافة بعد موت أبيه القائم بأمر الله سنة 334هـ. فلم يتَّسم بالخليفة ولم يغيِّر السكَّة أو الخطبة إلاَّ بعد أنْ قضى على ثورة أبي يَزيد. توفِّي المنصور سنة 341هـ في مدينة وارجلان، انظر: القرشي: عيُون الأخبَار، ص: 230. القلقشندي: صبح الأعشي، ج 5، ص: 123 - 124. المسعودي: الخلاصة النقيَّة، ص: 40.