الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٥٨الجيش، ويزيد في قوَّة أبي يَزيد فلم يضرب السكَّة باسمه، ولم يذكر اسمه في الخطبة. وشرع لتوِّه في تهيئة قواته للمضيِّ إلى "سوسة"، فبنى السفن وأرسلها إلى "سوسة" بقيادة "رشيق الكاتب" و"يعقوب بن اسحاق" وأوصاهما بأنْ لا يقاتلا حتَّى يأتيهم أمره. وفي الغد لحق بهم "المنصور"، وخرج بنفسه لقتال … أبي يَزيد.(1)
استطاع الخوارج في البداية، إلحاق الهزيمة ببعض رجال المنصور إلاَّ أنَّ "رشيق الكاتب" قام بإلقاء النار في الحطب الذي جمعه أبو يَزِيد لإحراق سور المدينة. ولمَّا اشتعلت النيران ظنَّ أبو يَزِيد أنَّ أصحابه هلكوا في تلك الناحية، نظراً للظلام الذي أحدثه الدخان، فانهزم أبو يَزِيد وفرَّ إلى القيروان، إلاَّ أنَّ أهلها منعوه من الدخول إليها. كما قاموا بمحاصرة دار عامله. فما كان من أبي يَزيد إلاَّ أنْ انتقل إلى ناحية "سَبيبَة" التي تبعد مسيرة يومين عن القيروان، وذلك في أواخر شوَّال سنة 334هـ (945م).(2)
ولمَّا وصل المنصور إلى القيروان، يتتبع تحرُّكات أبي يَزيد، أمَّن أهلها واهتمَّ بأسرة أبي يَزيد، ثمَّ سارع إلى إرسال سريَّة لمعرفة أخباره وتحرُّكاته فاستطاعت أنْ تهزم سرِّية أبي يَزيد التي أرسلها لنفس الغرض.(3)
وابتداءً من هذه المعركة مالت الكفَّة لصالح جيش الخلافة حيث ضعفت قوات أبي يَزِيد بانسحاب عدد كبير من القبائل، وتحوَّلَ من الهجوم إلى الدفاع، وأصبح يتلقَّى الهزيمة تلو الأخرى، فَ «كلَّما لحق به (أي المنصور) أوقعَ بأصحابهِ وأفلت».(4)
انطلق الخليفة المنصور يتتبَّع أبا يزيد، وذلك في ربيع الأوَّل سنة 335هـ (946م)، وصار يطارده من مكان إلى آخر حيث اتجه إلى باغاية عندما علم بمحاصرة أبي يَزيد لها. ولمَّا فرَّ هذا الأخير إلى بسكرة، انطلق المنصور متتبعاً خُطاه، وفي الطريق لحق به عاملُه جعفر بن علي بن حمدون(5). ثمَّ قدما معاً إلى مدينة بسكرة ومنه اتَّجها إلى مقرة.(6)
(1) - ابن الأثير: الكامل، ج 8، ص: 434. سنوسي: زناتة والخلافة الفاطميَّة، ص: … 226 - 227.
(2) - ابن الأثير: نفس المصدر، ج8، ص: 434 …
Farhat DACHRAOUI: Le califat fatimide au Maghreb، (296 - 362h) (909 - 973) STD Tunis 1981، pp 181 - 182.
(3) - ابن خلدون: كتاب العبر، ج 4، ص: 90.
(4) - القاضي النعمان: كتاب افتتاح الدعوة، تحقيق وداد القاضي، دار الثقافة، الطبعة الأولى، بيروت 1970، ص: 279.
(5) - هو أمير المسيلة والزاب، ولاَّه المنصور بعد موت أبيه على بن حمدون. كما كان عدوًّا لدوداً لزيري بن مناد. ولمَّا سافر المعزّ إلى مصر سنة 362هـ، دعا جعفر إلى نقص طاعة المعزّ والدعاء للخليفة المستنصر الأموي، انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، ج 7، ص: 176، وانظر: عنه كذلك في ج 13، ص: 39 - 40.
(6) - تقع هذه المدينة قرب المسيلة في المغرب الأوسط كان لها حصون كثيرة يصفها اليعقوبي بالمدينة العظمى. كان يسكنها قوم يقال: لهم "بنو ضبَّة" وقوم من العجم وقبائل بني زنداج. انظر: اليعقوبي: صفة المغرب، ص: 12.