الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٦٠فارس.(1)
وهكذا صار أبو يَزِيد محاصراً في الجبل، إلاَّ أنَّ الإمدادات كانت تصله من "سدراتة" و"بنْطْيُوسْ"(2). فأمر المنصور بالإغارة على سدراتة حتَّى لا تزوِّده بالمؤونة. ذلك أنَّ الفاطميِّين لم يستطيعوا السيطرة على الطرق التجاريَّة العابرة للصحراء، بل ظلَّت في يد الزناتيين لذلك نجد المنصور يحتفي برسول "الخير بن محَمَّد بن خزر الزناتي" ويجزل له العطاء مقابل أنْ لا يزوِّدوا أبا يزيد بالطعام. ولمَّا أغارت قوات الفاطميِّين على سدراتة، وقتلوا منهم الكثير، وسبوا حريمهم، واستولوا على أموالهم، توقفوا عن إمداد أبي يزيد بالأقوات.(3)
وقد اعتزم المنصور القبضَ على أبي يَزيد، وأصبح هو شغله الشاغل حتَّى أنَّه كان يقول: «إنْ أنا لم آخذ أبا يزيد وأسلخه فلست بابن فاطمة، ولست لكم بإمام».(4)
أمضى المنصور عيد الأضحى لسنة 335هـ (946م) وهو محاصر لأبي يزيد في الجبل. وفي خطبة العيد أخبرهم بوفاة أبيه القائم.
في بداية سنة 336هـ (947م) وقعت معركة بين أبي يَزيد والمنصور، بين المسيلة وأوراس، قتل فيها كثيرٌ من أصحاب أبي يَزيد، كان أكثرهم من بني كملان ومزاتة، حتَّى أنَّ هذه المعركة عرفت بِ"يوم الرؤوس". كما عرفت بِ"موقعة الحريق"، واستطاع الفاطميون في هذه الموقعة القبض على … أبي يَزيد مثخنا بالجراح ومات متأثِّراً بجراحه في آخر شهر محرَّم … سنة 336هـ (947م).(5)
وجملة القول: إنَّ المنصور قد استطاع القبض على هذا الثائر الذي دوَّخ بلاد المغرب، وأنزل الخراب بإفرِيقِيَّة. وكاد أنْ يسقط الخلافة الفاطميَّة لولا افتراق أصحابه عنه نظراً لخروجه عن المبادئ التي أعلنها مع بداية الثورة وخداعه لأصحابه من القيروانيين الذين آزروه.
ويروي ابن عذارى ما قاله أبو يَزِيد لأصحابه: «إذا التقيتم مع القوم فانكشفوا عن أهل القيروان حتَّى يتمكَّن أعداؤكم من قتلهم فيكونوا هم الذين قتلوهم لا نحن فنستريح
(1) - أبو عبد الله الصنهاجي: أخبار ملوك بني عبيد، ص: 39 - 40.
(2) - تقع هذه المدينة في بلاد الزاب قرب بسكرة إلى الجنوب الغربي، انظر: البكري: المغرب، ص: 56.
(3) - أبو عبد الله الصنهاجي: أخبار ملوك بني عبيد، ص: 41. الحبيب الجنحاني: دراسات في التاريخ الاقتصادي، ص: 172.
(4) - ابن الآبار: الحلَّة السيراء، ج 1، الشركة العربيَّة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، القاهرة 1963، ص: 388.
(5) - ابن خلدون: كتاب العبر، ج 13، ص: 34، القرشي: عيُون الأخبَار، ص: 296 - 306.