الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٦٣إلاَّ أنَّ حدَّته ازدادت بعد وفاة الرسول عليه الصلاة السلام نتيجة الصراع على الخلافة. ولذلك فإنَّ هذه العداوة انتقلت من المشرق إلى المغرب. فالفاطميون يرون بأنَّهم أحقُّ من غيرهم بالخلافة الإسلاميَّة لانتسابهم إلى علي وفاطمة. وبالتالي ظلُّوا يطمحون في السيطرة على كافَّة العالم الإسلامي مشرقه ومغربه.
أمَّا الأمويون فقد عملوا جاهدين على إيجاد مناطق نفوذ لهم في بلاد المغرب. فقاموا بتشجيع كلِّ حركة ثوريَّة تناوئ الفاطميين كما قامت الحرب الدعائيَّة بين الطرفين، وكثرت أعمال التجسُّس. وإذا كان الأمر لم يصل إلى درجة الحرب، لأنَّ الفاطميين كان همُّهم الاستيلاء على مصر والحجاز، ثمَّ نزع الخلافة من العباسيين، وكانت الاستعدادات على أشُّدِّها بين الطرفين خوفا من غدر أحدهم بالآخر.
ولهذه الأسباب وقف أمويُّو الأندلس إلى جانب أبي يَزيد باعتبار أنَّ عدُّو العدو صديق. إضافة إلى أنَّ أبا يزيد ــ مع بداية ثورته ــ دعا للأمويين. لذلك أرسل الوفود إلى الأندلس لطلب المساعدة. وقد اهتمَّ بنو أمية بتلك الوفود اهتماما كبيراً. فابن الأبار يصف استقبال الخليفة الناصر لأيُّوب بن أبي يَزيد قائلاً: «قدِّم عليه أيُّوب بن أبي يَزيد رسولاً لوالده أبي يَزيد .. » وذلك يوم السبت لستٍّ بقين من ربيع الأوَّل سنة خمس وثلاثين، فقعد له الناصر قعودا فخماً وأوصله إلى نفسه، وأكرم لقاءه، وسمع منه وأجمل الردَّ عليه وأمر بإنزاله في قصر الرصافة … فأقام هناك تحت رعي وكرامة موصولة(1)
ولشدَّة اهتمام الأمويين بهذه الثورة، كانت أخبارها كلها تصلهم عن طريق الوفود. ومن الأمثلة على ذلك أنَّ ابن الأبار يذكر أنَّ وفداً من إفريقيَّة وصل إلى الأندلس أثناء إقامة أيُّوب في ضيافة الخليفة الناصر، يخبر بهجوم أبي يَزيد على مدينة المسيلة ويطلب منه الإسراع في إحضار الفرسان الذين سيمدُّهم به الناصر.(2)
كما وصل في آخر شوال سنة 333هـ (944م) إلى قرطبة ليخبر الناصر بتغلُّب أبي يَزيد على القيروان ورقادة.(3)
ويبدو أنَّ هذه الوفود كانت قد عبرت إلى الأندلس لطلب الإمدادات العسكريَّة. ومرَّ بنا أنَّه لمَّا استبطأ أبو يَزِيد عودة ابنه أيُّوب بعث إليه رسولا يطلب منه التعجييل بالعودة.
ويحتمل أنَّ "الناصر" كان يشكُّ في قدرة أبي يَزيد على الإطاحة بالدولة الفاطميَّة، وربَّما كان يخشى غدره ويشكُّ في وفائه. فالناصر يعلم غدر أبي يَزيد بمالكيَّة القيروان، بالإضافة إلى أنَّ الأندلس شهدت عدَّة ثورات داخليَّة ناهيك عن تربُّص الفرنجة بالأندلس. يصف لنا ابن عذارى أوضاع الأندلس في عهد الناصر بقوله: «ولَّى (أي الناصر) والأندلس جمرة تحتدم ونار تضطرم شقاقاً ونفاقاً».(4)
(1) - ابن الأبار: الحلة السيراء، ج 2، ص: 390.
(2) - ابن الأبار: نفس المصدر والجزء والصفحة.
(3) - ابن عذارى: البيان المغرب، ج 2، ص: 312، سنوسي: دور زناتة، ص: 211 - 212.
(4) - ابن عذارى: نفس المصدر، ج 2، ص: 157.