الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٦٤

وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ الناصر قدَّم المساعدات المالية لأبي يَزيد. وليس ببعيد أنَّه قام بسكِّ النقود، وضربها في دار السكَّة بقرطبة. فقد عثر سنة 1966م في الحفريات التي تمَّت في القيروان على 25 قطعة من الدنانير الذهبيَّة مؤرَّخة بسنة 333هـ (944م) طول قطر الدينار الواحد 18.9 مليمتر ووزنه 4.20 غرام. جاء في وجهه الأوَّل وفي الهامش: «بسم الله الرحمن الرحيم، ضرب هذا الدينار بالقيروان سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة». وكتب في وسطه: «ربنا الله لا حكم إلاَّ لله، لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له الحق المبين».(1)

أمَّا في الوجه الثاني، وفي الهامش الأوَّل، فقد كتب: «الذين آمنوا به وعزَّروه ونصروه، واتَّبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون». وفي الهامش الثاني: «محَمَّد رسول الله بالهدى ودين الحق، ليظهره على … الدين كلِّه». وفي الوسط كتب: «العزَّة لله، محَمَّد رسول الله خاتم النبيين»(2) (انظر ملحق رقم 6).

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ هذه الآيات هي شعار الخوارج الذي أعلنوه يوم التحكيم.(3) ويلاحَظ أنَّه لم يرد ذكر اسم أبي يَزيد على الدينار. فربَّما يعود ذلك إلى رغبة أبي يَزيد في عدم إثارة حفيظة أصحابه أو حفيظة الناصر نفسه.

وكتب على هذا الدينار بخط كوفي بارز يشبه إلى حدِّ بعيد نقود الدولة الأغلبيَّة.(4) ويبدو أنَّه ذكر ضربه في القيروان للتضليل فقط. ولو ضرب حقيقة في القيروان لأشار إليه المؤرِّخون كبقيَّة الدنانير التي ضربها الثوار مثل نقود "أبي فهم الخراساني الداعي"(5)، الذي ظهر في عهد المنصور الصنهاجي.(6) مع

(1) - فيلالي عبد العزيز: العلاقات السياسية بين الدولة الأمويَّة في الأندلس ودول المغرب، 1982، ص: 171، وهامش ص: 172، علي الشابي: دولة صاحب الحمار ونقوده، المؤتمر الرابع للآثار في البلاد العربيَّة، تونس 1963، ص: 600

(2) - فيلالي: نفس المرجع والصفحة، الشابي: نفس المرجع والصفحة.

(3) - جرى هذا التحكيم أثناء الخلاف بين علي ومعوية. وقد حضره أبو موسى الأشعري ممثلاً لعليٍّ بن أبي طالب، وعمرو بن العاص ممثلا لمعاوية بن أبي سفيان. وكان من المفروض أنْ يخلع كلّ واحد صاحبه، لكن عمرو بن العاص ثبت صاحبه. وهو اليوم الذي فارق فيه الخوارج على ابن أبي طالب وخرجوا إلى "حروراء".

انظر: ابن الأثير: الكامل، ج 3، ص: 316 - 340.

(4) - أسَّسها بنو الأغلب (184 - 296هـ) (800 - 909م) عندما أرسل هارون الرشيد إبراهيمَ ابن الأغلب لتولِّي أمور إفرِيقِيَّة بشرط أنْ لا يزاحم الأدارسة، وكان ابراهيم هذا حاكماً على الزاب، ثمَّ ما لبث أنَّ استقبل عن الخلافة العباسيَّة. وحافظ فقط على رمز الخلافة. ولمَّا ضعف الأمراء سقطت الدولة في يد الشيعة سنة 296هـ (909م)، انظر: استانلي لين بول: طبقات سلاطين الإسلام، ترجمة زيد فرحات، الدار العالميَّة للطباعة والنشر والتوزيع، ط: 1، بغداد 1986، ص: 40 - 41.

(5) - ظهر هذا الثائر سنة 376هـ حيث اجتمع إليه خلق كثير من كتامة وضرب السكة لكنه قتل يوم الثلاثاء لثلاث خلون من صفر سنة 377هـ انظر: ابن عذارى: البيان المغرب، ج 1، (ط 1948)، ص: 241 - 243.

(6) - هو المنصور بن يوسف ثاني امراء بني زيري تولَّى الإمارة سنة 363هـ، وتوفي سنة 386هـ، انظر: لين بول: المرجع السابق، ص: 43.

٦٠ / ١٨١