الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٦٧

ويبدو أنَّه كانت للشيخين منزلة مرموقة، حتَّى إنَّهما كانا سبباً في نشوب القتال بين فضل بن أبي يَزيد وقبيلة مزاتة. ويظهر أنَّ "فضلاً" كان يريد ضمَّهما إلى صفوفه للاستفادة من شعبيتهما وتأثيرهما الكبير على الإبَاضِيَة الوهبية حتَّى يقفوا إلى جانبه.

ونظراً لمكانتهما العلميَّة كان المعزّ لدين الله الفاطمي(1) يشركهما في مجلسه إلى جانب علماء الفرق الأخرى للمناظرة؛ يقول أبو زكرياء: «كان أبو تميم يجمع بين يديه علماء الفرق، ويتكلَّمون بين يديه وقوفاً، ويتناظرون فيحكم بينهم».(2)

عكف هذان العالمان على الخروج إلى البادية ليعلِّما الناسَ أمور دينهم. وكان يصحبهما في رحلاتهما طلاَّبهما. بل إنَّ أبا القاسم كان ينفق عليهم ويطعمهم ويكسيهم من ماله. ذلك أنَّ أبا القاسم كان ذا مال وفير. يقول الشماخي: «كان له عشرون جملاً محلاَّة بالخلاخل يسافر بها إلى القيروان. وكان مشهوراً بالعلم والأدب عظيم المنزلة شديدَ الورع، وأهل القيروان يعرفونه بذلك. وإذا دخلها اضطربت المدينة يسألونه عن المشكلات، ويستفتونه بل يدَّخرونها لوروده من مُوافق ومخالف».(3)

وقد سمحت لهما مكانتهما العلميَّة بتكوين حلقة علميَّة لأهل الدعوة أي للإبَاضِيَة، ونيلِ منزلة رفيعة عند الخليفة المعزّ خاصة أبو القاسم. فقد كان المعزّ يقبل شفاعته في أهل مدينة الحامة.(4)

كما كان المعزّ معجباً بأبي خزر يغلى بن زلتاف، وأبي نوح سعيد بن زنغيل، فهو الذي قال فيهما: «أمَّا يزيد بن مخلد فلم تلد العرب مثله، وأمَّا يغلى فعالم ورع، وأمَّا سعيد بن زنغيل ففتى مجادل»(5)

ورغم هذه الصداقة التي ربطت المعزّ بهؤلاء العلماء إلاَّ أنَّه كان يخشاهما خاصَّة أبا القاسم، الذي كان يتبوأ مركز الزعامة بين الإبَاضِيَة.(6)

(1) - هو رابع الخلفاء الفاطميِّين في بلاد المغرب، ولَّى الخلافة بعد موت أبيه المنصور سنة 341هـ امتازت خلافته باستقرارالبلاد وافتتاح مصر سنة 358هـ على يد قائده جوهر الصقلي الذي اختط له القاهرة. وفي خمسة من رمضان سنة 362هـ قدِم المعزّ إلى مصر، انظر: القلقشندي: صبح الأعشي، ج 5، ص: 124.

(2) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 1، ص: 148.

(3) - الشماخي: السير، ص: 347.

(4) - يروى أنَّ المعزّ إذا سخط على بلدة ما أرسل لها جيشاً يحمل الراية الحمراء. أمَّا الراية البيضاء فهي إلى من استجوب الرضا. ولمَّا وجَّه المعزّ جيشه إلى الحامة حاملاً الراية الحمراء، توجَّه أبو القاسم مسرعاً إلى القيروان ليقابل أبا تميم ويطلب منه العفو، فعفا عنهم وأعطاهم الراية البيضاء. ولمَّا عاد إلى الحامة انسحب الجيش. انظر: الدَّرجيني: الطبقات، ج 2، ص: 132، الشماخي: نفس المصدر، ص: 448، اطفيَّش: رسالة إنْ لم تعرف الإبَاضِيَة، ص: 56 - 57.

(5) - الدَّرجيني: نفس المصدر، ج 1، ص: 123.

(6) - حدث ذات مرَّة أنْ كان أبو القاسم في مجلس المعزّ فطلب منه أنَّ يريه سيف رسول الله (ص) ذا الفقار، فأراه المعزّ إيَّاه. ولمَّا أخذه أبو القاسم ورفعه بين يديه، ارتعد المعزّ خوفاً منه حتَّى أنَّ المعزّ قال لأحد وزرائه بعد خروج أبي القاسم من مجلسه: «لم آمن على نفسي حين أمكنت أبا القاسم من السيف حتَّى دخل يدي». انظر: أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 1، ص: 138، الشماخي: السير، ص: 448.

٦٣ / ١٨١